محمود صلاح
كاتب مصري
"ونحن نحتفل في حياتنا، ونحن أحرار في منازلنا، فلنفكر في إخواننا الأقل حظًا، الذين نُهبت معابدهم، وهُدمت منازلهم، إن أكثر من ثلاثة ملايين طفل يهودي ماتوا في أوروبا النازية، ما الذي ضحينا به لمساعدتهم" ... من منشور دوري وزّعته جمعية تحرير ومساعدة اليهود المنكوبين بالإسكندرية في عام 1947، كُتب المنشور باللغة الفرنسية، تشجيعًا للمصريين اليهود على دعم يهود فلسطين، وحثّهم على التبرّع المالي لهم.
لعبت الحركة الصهيونية دورًا حاسمًا في تمزيق الهُويّة الوطنية والتاريخية ليهود مصر، فرغم أنّهم أقلية ضئيلة فإنّهم كانوا الأكثر غنى وثروة، والأنشط اقتصادًا، وحضورًا في السياسة والفن والمجتمع؛ إذ كان منهم الوزراء والمشاهير ورجال المال والتجارة والأعمال، ولم يتعرّض أحد لحياتهم أو يضطهد وجودهم، وحَرَصَ رجال السياسة والحكم على الاتصال بهم وتمثيلهم، ففي عام 1919، مثلًا، حرص الوفد المصري بقيادة سعد باشا زغلول على تمثيل الأمّة المصرية بكلّ مكوّناتها، فكان اليهوديان، ليون كاسترو ويوسف أصلان، ممّن رافقا الوفد المصري في مفاوضاته مع الإنجليز بلندن، حتى إنّ فنان الشعب سيد درويش عندما تغنى لثورة 1919 في أغنيته الخالدة، التي كتب كلماتها بديع خيري "قوم يا مصري... مصر دايمًا بتناديك" ينتهي إلى: حِب جارك قبل ... ما تحب الوجود/ إيه نصارى ومسلمين... قال إيه ويهود/ دي العبارة نسل واحد... مـ الجدود.
وبالرغم ممّا تمتّع به يهود مصر من حرية دينية، ومشاركة سياسية، ومكانة اقتصادية، فإنّ الروح الصهيونية كانت تنمو في وجدان كثيرين منهم، فكان ليون كاسترو، المؤيّد ل"الوفد" ومطالب الاستقلال، من أوائل من أسّسوا المُنظّمات الصهيونية في مصر، وأشرفوا عليها، ولا يجد اليهودي المصري، إيلي ليفي أبو عسل، حرجًا من أن يصدر كتابًا يدعو فيه صراحة إلى أن تكون فلسطين وطنًا لليهود، ففي كتابه "يقظة العالم اليهودي" الذي أصدره أبو عسل عام 1934 في القاهرة (وأهداه إلى عظيم الإسرائيليين يوسف أصلان قطاوي باشا الذي شغل منصب وزير المالية) يعبّر أبو عسل صراحة عن غاية يهود مصر: "فلسنا نريد أن نكون فئة، ولسنا نبغي أن نكون شعبًا، بل نريد أن نكون أكثر من شعب، نريد أن نكون أمة، فقد آلينا على أنفسنا إيلاء ثابتًا لا يتزعزع أن لا نذوق سِنة الكرى ولا لذّة الرقاد حتى نفوز بما نصبو إليه وهو الوطن الثابت".
ويبدو واضحًا أنّ دعاة الصهيونية قد ملأوا فراغًا في هُويّة يهود مصر، وتمكّنوا من التسلّل إليها، عبر خطاب صهيوني يربط بين الدين والعِرق، وبما يفصلهم عن جماعتهم القومية المصرية، على الرغم من وجود العديد من اليهود الذين رفضوا الصهيونية واعتزوا بمصريتهم، أمثال اليهودي المصري مراد فرج (1867- 1955) وهو من اليهود القرائين (تيار في اليهودية)، والذين كانوا يعتزّون بمصريتهم، فقد قال: وطني مصر فهي مسقط رأسي ... وبها نشأت وفيها رُبيتُ/ وهي أستاذتي ومورد رزقي ... ومقري أصحو بها وأبيت
وبشكل عام، نجحت الصهيونية في غواية يهود مصر، أو الفئة الغالبة فيهم، خصوصًا الشباب والمُتمصرين منهم، وهو الأمر الذي كان له من الآثار السلبية على مستقبل الجماعة اليهودية في مصر، وانتهى بتصفية وجودها تمامًا مع نهاية خمسينيات القرن العشرين.
احتجاجات المصريين ضدّ الصهيونية 1945
يُعتبر عام 1945، تحديدًا الثاني من نوفمبر، تحوّلًا حاسمًا في علاقة الشعب المصري بيهود مصر، وإن استمرّ حضورهم ودورهم الاقتصادي قائمًا إلى النصف الأوّل من الخمسينيات. فبعد أنّ كان اليهود المصريون جماعة وطنية مُتميّزة، لها قوّتها الاقتصادية، وحضورها الاجتماعي الكثيف -وإن كانت أقلية لا تتجاوز الثمانين ألفًا- صار مشكوكًا في ولائهم، بعد أن نجحت الحركة الصهيونية في احتلال عقول وأفئدة شبيبة يهود مصر، وتصاعد الأمر اطرادًا مع إجرام العصابات الصهيونية، وتنامي هجرة اليهود إلى فلسطين، وكان حلول ذكرى صدور وعد بلفور هو المؤجّج لمشاعر المصريين في نوفمبر 1945، فكان القشّة التي قسمت ظهر البعير؛ فبالرغم من مرور ثمانية وعشرين عامًا على وعد بلفور فإنّ المصريين شعروا بأنّ الأمر بات شديد الخطورة، ولم يعد يحتمل الانتظار أو الصبر، وأنّ الأمور تتدهور بسرعة في فلسطين، ومن ثم دعت قوى وطنية مؤتلفة من الإخوان المسلمين، وجماعة مصر الفتاة، وحزب الوفد، والاتحاد النسائي المصري، والطلاب، والعمال إلى إضراب شامل ساعتين، غير أنّ الإضراب تحوّل إلى مواجهات، واحتجاجات عنيفة، لم تتمكّن الحكومة من السيطرة عليها إلا بعد عدّة أيّام .
وكانت لافتات "تسقط الصهيونية، يسقط اليهود، يحيا الملك، يسقط النقراشي" من أبرز ما رفعه المتظاهرون، واشتعلت المواجهات لعدّة أيّام في القاهرة والإسكندرية، واضطرّت حكومة محمود فهمي النقراشي باشا إلى حشد كلّ قوّة بوليس العاصمة التي بلغت أربعة آلاف رجل، بقيادة البريطاني (ذو الأصول الأيرلندية) فيتز باتريك باشا "حكمدار بوليس العاصمة"، ولم يفلح البوليس بقوّته الكاملة في لَجم اتساع دائرة الاحتجاج، حيث اضطرت الحكومة في المساء إلى استدعاء وحدات من الجيش المصري من القاهرة والإسكندرية، واعتقلت الحكومة مئات المُتظاهرين، وتوعّد النقراشي بمزيد من استخدام القوّة والعقاب لكلّ من يشارك في تدمير الممتلكات العامة والخاصة، واتسع نشاط رجال المباحث، وداهموا منازل المحتجين ورفاقهم، وقدّرَ الدبلوماسيون الأميركيون أنّ عدد المُعتقلين بلغ ألف معتقل، فضلًا عن مئات المصابين، وسقوط أعداد من القتلى في تلك الأحداث.
الرأي العام يستنفر المصريين ضدّ الصهيونية المحلية
لم يتوقّف الرأي العام عن صبّ جام غضبه على الصهاينة، واليهود المصريين المُتواطئين معهم، مطالبًا إياهم بتحديد موقفهم بلغة صريحة وواضحة مما يجري من تهويد واحتلال لفلسطين، وطالب الأديب إبراهيم عبد القادر المازني الذي وجّه عام 1947 رسالة عبر الصحافة إلى حاخام اليهود المصريين، حايم ناحوم أفندي، يقول له فيها "هل يأذن لنا سيادته أن نطالبه ونطالب أبناء ملته من يهود مصر بأن يفعلوا فعلًا صريحًا واضحًا يدل على أن عواطفهم هي عواطف الأمة المصرية تشعر بشعورها وتتألم بألمها؟"
ولم يتوقّف قلم المازني؛ حتى إنّه طالب بمصادرة أموال اليهود المصريين، خاصة أولئك الذين يثبت تورّطهم في تمويل الصهيونية، ومع دخول الجيش المصري فلسطين (مايو 1948) أثبت المازني في مقاله بصحيفة البلاغ الوفدية أنّ شبانًا يهودًا سافروا للقتال بجانب الصهاينة وعصاباتهم في مواجهة أبناء وطنهم المصريين في فلسطين، بل واتَّهَمَ المازني آباء هؤلاء الشبان بالخيانة، وقال عنهم "وأما آباء هؤلاء الشبان الذين خانوا مصر فليسوا مصريين إلا بالاسم، وهواهم مع الصهيونية، وولاؤهم لها لا لمصر، وحسبنا دليلًا ما يضبطه البوليس في منازلهم ومخازنهم من سلاح وذخيرة وأجهزة لاسلكية".
ودخلت هدى هانم شعراوي في سجال عنيف على صفحات الصحف مع المحامي اليهودي المصري، زكي عريبي، عندما طالبت الحاخام الأكبر للطائفة اليهودية أن يحدّد موقفه ممّا يجري في فلسطين، ولم يجد العديد من اليهود المصريين بُدًا غير اعتناق الإسلام في مواجهة اندفاع عموم ملّتهم اليهود لتأييد ودعم الصهيونية، واتهام المجتمع المصري لهم بالخيانة، حتى إنّه في 1948 وحده اعتنق الإسلام نحو أربعمائة يهودي، من بينهم المحامي اليهودي عريبي الذي اعتنق الإسلام في فترة لاحقة عقب هجرة أغلب اليهود من مصر.
وشنّت الصحافة المصرية حملة واسعة لفضح النشاط اليهودي الواسع لجمع التبرّعات لدعم الحركة الصهيونية في الوقت الذي تُقاتل فيه الجيوش العربية العصابات الصهيونية، حتى إنّ صحيفة البلاغ، وهي لسان حال حزب الوفد، وصفت "اليهود المصريين بالمتطرّفين، الذين لا يخشون الحكومة المصرية، ولا يقيمون لها أي وزن، فيعملون لمساعدة الصهيونية".
وخاطب مثقفون مصريون قادة الطائفة اليهودية، داعين إياهم إلى ضرورة إعلان موقف واضح إزاء ما يجري في فلسطين، والخطر الصهيوني، وشاع في الصحف المصرية مقالات افتتحها كُتابها بعناوين مثل "إلى يهود مصر" طالبوا فيه اليهود المصريين بنفض أيديهم عن الصهيونية التي استشرت في صفوفهم، وجعلت منهم طابورًا خامسًا.
حاول أعيان اليهود ورجال الأعمال منهم دفع تهمة موالاة الصهيونية عن أنفسهم، فتبرّع العديد منهم، ممّن لهم شركات ومحال تجارية لصالح الترفيه عن جنود الجيش المصري في فلسطين، ووصلت جملة تلك التبرّعات زهاء واحد وأربعين ألف جنيه مصري حتى يوليو 1948، وذلك في الوقت الذي نشرت فيه الصحف أنّ الجمعيات الصهيونية تجمع سنويًا ستة ملايين جنيه من يهود مصر لصالح تهويد فلسطين، وقد انتقد العديد من الكُتّاب تبرّعات اليهود للجيش المصري؛ ومنهم الأستاذ محمود شاكر الشهير "بأبو فهر"، والذي نشر في مجلة الرسالة في ديسمبر عام 1947 ينتقد تبرّعات اليهود بقوله "ألا تخافون أن يتبرّع لكم هؤلاء اليهود بآلاف من أموالهم أو أموالنا على الأصح، يخادعونكم بها ثم يُهرِّبون إلى قومهم الملايين، يعينون بها عليكم، ويكسبون بها غفلتكم عنهم وعن حركاتهم وأعمالهم ودسائسهم في قلب بلادكم؟".
حل الرابطة اليهودية المعادية للصهيونية وقمعها
صادرت حكومة النقراشي الكثير من تبرّعات اليهود للحركة الصهيونية، وزادت من حِدّة رقابتها على أيّة تجمعات وروابط يهودية، بما فيها الحركات اليهودية المُعادية للصهيونية نفسها، حيث رفضت الحكومة السماح للرابطة الإسرائيلية لمكافحة الصهيونية بالعمل والتجمّع، برغم عدائها الصهيونية، بل ودخولها في صراع عنيف مع دعاة الصهيونية في مصر، حيث كان لسيطرة العناصر الشيوعية على تلك الرابطة مثار قلق وارتياب لدى السلطات، ولم تتسامح الحكومة مع الرابطة، وعملت على حلّها، وطُرِد عديدون منهم من القُطر المصري، بل وخصّصت عنابر بالسجون للصهاينة والشيوعيين.
يبدو أنّ الخط السياسي لرابطة مكافحة الصهيونية قد أزعج السلطات المصرية، فبالرغم من تصريح الرابطة في بيانها بأنها تسعى إلى أن "تُخلّص الشباب اليهودي في مصر من سموم الصهيونية"، فإنّها صرّحت بالقول "ونحن نعلن أن السبيل الوحيد ليهود مصر هو الانضمام إلى الحركة الوطنية المصرية، والتضامن التام معها في سبيل تحقيق أهدافها"، وهو الأمر الذي لم يُعجب النقراشي باشا، خاصة مع وضوح المكوّن الشيوعي للرابطة؛ فأمرَ بحلّ الرابطة، والحيلولة دون منحها وجودًا قانونيًا، بحجة "الإخلال بالأمن العام"، حتى إن منتسبي الرابطة أبرقوا إلى النقراشي بقولهم له "إذن فمكافحة الصهيونية مُخلة بالأمن يا دولة الباشا"!.
تصاعد احتقان الشعب المصري تجاه اليهود
لم يتوقّف المدّ الصهيوني داخل اليهود المصريين، خاصة فئة الشباب، وكان تصاعد العمليات الحربية في فلسطين عاملًا مهمًا في تأليب عموم المصريين على اليهود، خاصة المُبتهجين منهم بقيام دولة إسرائيل.
كان لوصول الطائرات الإسرائيلية إلى سماء العاصمة القاهرة أثرًا سلبيًا في نفوس المصريين، حيث تمكّنت طائرة مقاتلة أميركية الصنع من طراز "بي 17"،وهي طائرة استُخدمت بكثافة خلال الحرب العالمية الثانية، من قصف أحد الأحياء المدنية في قلب العاصمة القاهرة، ما أسفر عن سقوط زهاء 30 قتيلًا مدنيًا، ودمار واسع في الممتلكات، الأمر الذي أكّده مراسلو الصحف الأجنبية، في حين تكتّمت الحكومة على نتائج الغارة، واعترفت بحدوث غارة مُعادية من دون تفاصيل، ثم كشفت عن زيارة جلالة الملك فاروق لمُصابي الغارة، وصدور الأوامر برعاية منكوبي الغارة، وإيوائهم.
غير أنّ الغارة خلّفت روحًا ساخطة لدى المواطنين الذين وفدوا على أحياء اليهود مُندّدين مُحتجين، وانعكست تلك الأحداث على حالة من التباعد، والريبة الاجتماعية، والتي لم تكن مألوفة من قبل، ويظهر ذلك بوضوح في واقعة دالّة، إذ تقدّمت سيدة في سبتمبر 1951 بطعن على حكم الطاعة التي رفعها زوجها ضدّها، مبرّرة رفضها الإقامة في عمارة سكنية يقطنها يهود مصريون، وجاء في حيثيات دعوى السيدة "أنها كقاهرية لا تستطيع أن تعيش في تل أبيب"، وقد قبلت المحكمة الطعن، وقضت بأنه "لا يجوز ولا يصح على الإطلاق أن نضع زوجة طاهرة مسلمة مصرية بين أعدائها".
وفي العام نفسه يطلب أهالي قرية أصلان، التابعة لمركز سنورس بالفيوم، تغيير اسم القرية أصلان، لأنها سُميت على اسم يهودي كان يمتلك في الماضي مساحات واسعة من أراضي القرية وأطيانها، ورفعوا طلبًا إلى وزير الداخلية لإلغاء الاسم اليهودي للقرية.
ومع قيام ثورة يوليو مثّلت توجّهات الحكومة الجديدة تحديًا كبيرًا لاستمرار الوجود اليهودي المصري، فقد دخلت الثورة المصرية في صراعات عنيفة مع الغرب وإسرائيل، ما أفضى إلى تعجيل تفكيك الوجود اليهودي، بل والأجنبي بشكل عام، حيث ضاقت الدولة بوجود المُتمصرين والجاليات الأجنبية التي كانت نافذة في الاقتصاد ودولاب الإنتاج والعمل، واختارت حكومة الثورة رأسمالية الدولة، والتأميم، والملكية العامة، ما أدّى إلى عدم ملاءمة الاستمرار الأجنبي واليهودي الذي اختار الرحيل إلى مكان آخر، وبذا فقدت مصر جزءًا أصيلًا من تاريخها الاجتماعي والثقافي، خصوصًا الصبغة العالمية التعدّدية، أو الكوزموبوليتانية التي كانت تميّز المجتمع والحياة المصرية حتى منتصف القرن العشرين، مع أنّه كان من الممكن النجاح في إدارة هذا التنوّع وصيانته، بدلًا من التخلّص منه.

