كشفت قرارات وزارة الكهرباء في أبريل ومايو 2026 عن انتقال العدادات الكودية إلى مرحلة جديدة من الجباية المباشرة، بعدما أصبح سعر الكيلووات ساعة 2.74 جنيه من أول كيلو استهلاك، بدل نظام الشرائح المتدرجة، بما مسّ نحو 3.5 مليون مشترك في مساكن غير مرخصة أو لم تستكمل أوضاعها القانونية.
وتحول العداد الذي قدمته الدولة لسنوات بوصفه بديلا عن سرقة التيار ونظام الممارسة إلى أداة ضغط مالي على الأسر، فالمواطن لا يحصل على عداد قانوني باسمه، ولا يملك به سندا للوحدة، ولا يستفيد من شرائح الدعم، لكنه يدفع مقدما وبسعر موحد، وكأن الكهرباء صارت عقوبة يومية لا خدمة أساسية.
الشريحة الموحدة تحوّل العداد المؤقت إلى عقوبة جماعية
بدأت الأزمة عندما قررت وزارة الكهرباء محاسبة أصحاب العدادات الكودية بسعر موحد قدره 2.74 جنيه لكل كيلووات ساعة، بينما كان السعر قبل الزيادة 2.14 جنيه، بزيادة تقترب من 28%، وبلا استفادة من الشرائح الأقل التي يحصل عليها أصحاب العدادات القانونية.
ويعني ذلك أن الأسرة قليلة الاستهلاك التي كانت تراهن على تخفيض الفاتورة بالترشيد، أصبحت تدفع نفس سعر الكيلووات من أول استهلاك، فلا فرق بين شقة صغيرة تستهلك الحد الأدنى وشقة أعلى استهلاكا داخل التصنيف الكودي نفسه، وهذا يهدم فكرة العدالة السعرية من أصلها.
ويوضح الدكتور حافظ سلماوي، رئيس جهاز تنظيم الكهرباء الأسبق، أن العداد الكودي صمم أصلا للمباني المخالفة كحل مؤقت لحساب الاستهلاك الفعلي بدلا من الممارسة التقديرية، لكنه لا يمنح مالكه سندا قانونيا ولا يثبت الملكية، ومع ذلك جرى ربطه بتكلفة غير مدعمة تدفعها الأسر كاملة.
كما أشار سلماوي إلى نقطة شديدة الأهمية، وهي أن المادة 41 من قانون الكهرباء تتيح لمجلس الوزراء التدخل إذا كان سعر 2.74 جنيه يفوق قدرة المواطنين، خاصة في المناطق العشوائية، محذرا من أن السعر المرتفع قد يدفع البعض للعودة إلى سرقة التيار إذا عجزوا عن السداد.
أما الخبير الاقتصادي مدحت نافع فيدعم زاوية العدالة الاجتماعية في الأزمة، إذ حذر من أن تطبيق سعر موحد مرتفع على العدادات الكودية يعكس اتجاها لتحصيل التكلفة الكاملة دون دعم، لكنه يضع عبئا مباشرا على فئات لا تملك غالبا سرعة تقنين أوضاعها أو نقل العدادات إلى النظام القانوني.
وبذلك لا تبدو الشريحة الموحدة مجرد تعديل فني في نظام المحاسبة، بل تبدو سياسة مالية تستهدف جيوب فئة هشة قانونيا وسكنيا، لأن الدولة تعرف أن صاحب العداد الكودي مضطر للشحن، ولا يستطيع التفاوض، ولا يملك رفاهية ترك الكهرباء في بيت يعيش فيه أطفاله.
شكاوى الشحن تكشف خصومات لا يفهمها المواطنون
تصدرت شكاوى المواطنين مواقع التواصل بعد أول موجة شحن في مايو، حيث فوجئ مستخدمون بخصومات مفاجئة بعد إدخال كارت العداد، وقالت تقارير إن مستخدمين اشتكوا من استقطاع مبالغ غير مفهومة دون شرح كاف، بينما بررت مصادر كهرباء ذلك بفروق أسعار أبريل وتوحيد شرائح العدادات الكودية.
وتظهر الشكوى هنا في لحظة الشحن نفسها، لأن المواطن يدفع مبلغا محددا وينتظر رصيدا مقابلا، ثم يجد أن جزءا من المال اختفى تحت مسمى مديونية أو فرق سعر أو خدمة عملاء أو تسوية مؤجلة، فيتحول الكارت إلى صندوق خصومات لا يفهمه إلا موظف الشركة.
وشرح مصدر مسؤول بوزارة الكهرباء أن الخصومات التي ظهرت بعد الشحن جاءت نتيجة تطبيق فروق أسعار شرائح الاستهلاك المقررة في أبريل، وأن من لم يشحن خلال أبريل جرى ترحيل الفروق إلى أول عملية شحن في مايو، مؤكدا أنها مرتبطة بمرحلة انتقالية بعد تعديل الأسعار.
لكن هذا التفسير الفني لا ينفي غضب المواطنين، لأنه جاء بعد الخصم لا قبله، ولم يصحبه إخطار واضح على العداد أو رسالة مفصلة للمستخدم، كما أن المصدر نفسه قال إن سعر الكيلووات ارتفع من 2.23 إلى 2.74 جنيه، ما يعني أن الخصم ليس خطأ عابرا بل نتيجة قرار سعر جديد.
ومن الزاوية القانونية، تكشف دعوى المواطن التي نظرها القضاء الإداري أن الأزمة تجاوزت الشكوى الفردية، إذ قال مقيم الدعوى إن عداده الكودي ركب عام 2023 وكان يحاسب بنظام الشرائح حتى مارس 2026، قبل أن يفاجأ في أبريل بسعر موحد من أول كيلووات دون إخطار مسبق.
ويدعم المحامي وليد الفولي هذا المحور عبر دعوى أخرى تطالب بوقف قرار تثبيت سعر الكهرباء للعدادات الكودية، حيث اختصمت الدعوى وزير الكهرباء ورئيس الشركة القابضة ورئيس شركة جنوب الدلتا، بما يؤكد أن الاعتراض لم يعد منشورات غضب فقط، بل دخل مسار التقاضي الإداري.
وفي خلفية الشكاوى، رصدت تقارير مطالبات بإلغاء الشريحة الموحدة بعد أن قال مواطنون إن فواتير بعض الشقق الصغيرة وصلت إلى نحو 1000 جنيه شهريا بعد أن كانت في حدود 400 جنيه، وهي قفزة لا يستطيع محدود الدخل امتصاصها بمجرد نصيحة عن ترشيد الاستهلاك.
التصالح يتحول إلى فدية كهربائية
تقول الحكومة إن العداد الكودي إجراء مؤقت للمباني المخالفة حتى التصالح أو إزالة المخالفة، وإن السعر الموحد يأتي تنفيذا لقرارات توصيل المرافق للعقارات المخالفة دون دعم، لكن هذا التبرير يخلط بين حق الدولة في تقنين البناء وحق المواطن في خدمة كهرباء عادلة لا تستخدم كسوط مالي.
فالعداد الكودي لا يحمل اسم المشترك ولا يمنع قرارات الإزالة ولا يثبت السكن، ومع ذلك يدفع صاحبه سعر التكلفة من أول كيلووات، أي أن الدولة تحاسبه كمنتفع كامل التكلفة، لكنها لا تعطيه في المقابل مركزا قانونيا مستقرا ولا حماية تعاقدية مماثلة للمشترك الرسمي.
ويشرح حافظ سلماوي أن هذا النوع من العدادات جاء لمنع سرقة التيار وإلغاء نظام الممارسة الذي كان تقديريا وغير عادل، وهي نقطة صحيحة من الناحية الفنية، لكن المشكلة أن الدولة نقلت المواطن من تقدير جزافي إلى سعر عقابي موحد، لا يفرق بين أسرة فقيرة واستهلاك مرتفع.
أما مدحت نافع فيرى أن توسيع قاعدة العدادات الكودية إلى أكثر من 3 ملايين عداد يفتح نقاشا واسعا حول العدالة في تسعير الخدمة، لأن العلاقة بين المواطن ومقدم الخدمة تصبح غير مستقرة عندما يغيب مسار واضح وسريع وميسر لتحويل العداد إلى قانوني.
وتكشف مراجعة وزارة الكهرباء لملفات العدادات الكودية بعد شكاوى أصحاب العقارات أن المشكلة لا تخص المخالفين وحدهم، فقد قال مواطنون إن لديهم رخص بناء قانونية أو قاموا بتقنين أوضاعهم، ومع ذلك ظلوا داخل تصنيف العداد الكودي ودفعوا سعر التكلفة الموحد.
ثم أعلنت الوزارة مراجعة شاملة وفلترة الملفات لتحويل العقارات المرخصة من عدادات كودية إلى عدادات اسمية قانونية، وهو اعتراف ضمني بأن المنظومة ظلمت بعض الملتزمين أو خلطت بينهم وبين المخالفين، وأن التصنيف الكودي لا يكفي وحده لإصدار حكم مالي على ملايين الأسر.
ومن هنا، يصبح الربط بين خفض السعر وبين التصالح في مخالفات البناء أقرب إلى فدية كهربائية، فالمواطن يريد كهرباء بسعر عادل، فتقول له الدولة ادفع التصالح أولا، ثم قدم أوراقا، ثم انتظر تغيير المحاسبة، وفي أثناء ذلك يظل كل شحن للكارت استنزافا إجباريا.
خدمة أساسية بلا دعم ولا عدالة ولا شفافية
الكهرباء ليست رفاهية يمكن للمواطن الاستغناء عنها عند ارتفاع السعر، بل هي خدمة حياة، ولذلك يصبح الدفع المسبق في العداد الكودي أكثر قسوة من الفاتورة التقليدية، لأن انقطاع الرصيد يعني انقطاع النور فورا، ولا توجد مساحة تفاوض أو تأجيل أو اعتراض قبل الخصم.
وتقول بوابة أخبار اليوم إن المواطنين اشتكوا من سعر 2.74 جنيه وطلبوا مساواتهم بسعر العداد القانوني الذي يبدأ من 68 قرشا، بسبب الشريحة الموحدة التي تسبب نفاد الرصيد سريعا، ثم عرضت خطوات التحويل إلى عداد شرائح عبر التصالح وتقديم أوراق رسمية.
ويؤكد خبير الكهرباء حافظ سلماوي أن العداد الكودي لا يمنح شرعية، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن تجاوز السعر قدرة المواطنين قد يدفع إلى سرقة التيار، وهذا التحذير يضرب جوهر القرار، لأن سياسة مكافحة الفاقد لا تنجح إذا جعلت السعر نفسه سببا للفاقد الجديد.
كما يرى مدحت نافع أن رفع أسعار الكهرباء والمحروقات والإنترنت يرفع تكاليف المعيشة والإنتاج، ويصنع نوعا صعبا من التضخم، لأن هذه الخدمات تدخل في كل شيء، من بيت المواطن إلى المحل الصغير إلى ورشة العمل، ولا تبقى داخل فاتورة الكهرباء وحدها.
وتكشف شكاوى المواطنين من الخصومات المفاجئة وارتفاع الفواتير أن الحكومة اختارت الطريق الأسهل، وهو التحصيل مقدما من الفئات الأضعف، بدلا من بناء نظام تفصيلي يفرق بين من سرق التيار، ومن اشترى شقة في عقار لم يستكمل التصالح، ومن دفع مقايسة وينتظر عدادا قانونيا.
وفي النهاية، لا يمكن بيع العداد الكودي للمصريين بوصفه إصلاحا وهو يسحب الدعم بلا ضمانات، ولا يمكن الحديث عن محاربة سرقة التيار بينما يشعر المواطن أن الدولة تسرقه بالقانون من أول كيلووات، فالخدمة العامة لا تدار بمنطق العقاب الجماعي، والكهرباء حق يومي لا وسيلة لاستفراغ الجيوب بالإكراه.

