أعلنت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني تطبيق نظام التجمعات لأول مرة في امتحانات الثانوية العامة 2026، عبر 613 مجمعا يضم 2032 لجنة على مستوى الإدارات التعليمية، حيث يؤدي 921 ألفا و709 طلاب الامتحانات وسط خطة تقول الوزارة إنها تستهدف السيطرة على اللجان ومواجهة الغش الإلكتروني والجماعي.
وتحوّل القرار إلى إقرار رسمي بأن سنوات الإجراءات السابقة لم تكف لحماية امتحان يحدد مصير مئات الآلاف من الأسر، إذ لم تعد الوزارة تتحدث عن تطوير تعليمي بقدر ما تتحدث عن تجميع الطلاب تحت قبضة أمنية واحدة، بينما يدفع الطالب ثمن فشل طويل في ضبط المنظومة.
تجمعات أمنية بدل إصلاح منظومة الامتحانات
قال خالد عبد الحكم رئيس امتحانات الثانوية العامة إن الوزارة ستعقد الامتحانات على مستوى كل إدارة تعليمية داخل مدارس قريبة من بعضها، مؤكدا أن فكرة التجمعات وصلت إلى 613 تجمعا بواقع 2032 لجنة سير، بهدف إحكام السيطرة على اللجان من خلال رجال الشرطة.
وبذلك تتعامل الوزارة مع الثانوية العامة كملف ضبط أمني قبل أن يكون ملفا تعليميا، لأن وضع اللجان بجوار بعضها قد يسهل حركة المتابعة والتأمين، لكنه يفضح في الوقت نفسه عجز الوزارة عن بناء نظام امتحاني يحارب الغش من داخل المدرسة لا من خارجها فقط.
كما أوضح شادي زلطة المتحدث باسم الوزارة أن مجمعات اللجان ستكون داخل مدارس تضم عددا من لجان سير الامتحانات، وليست كل لجنة منفصلة كما حدث سابقا، بما يخفض تعدد أماكن الامتحانات ويجعل السيطرة الأمنية أسهل على الشرطة وفرق المتابعة داخل كل إدارة.
ومن هذه الزاوية، يصبح انتقال اللجنة من 500 طالب إلى تجمع قد يضم 1500 طالب في نطاق واحد إجراء كبير الأثر على الطلاب والأهالي والطرق المحيطة، لأن الوزارة تضاعف كثافة المكان باسم الانضباط، من دون أن تقدم ضمانات كافية ضد التكدس والتأخير والارتباك.
خبراء يرون مزايا تنظيمية ويحذرون من اختناقات أوسع
يرى الدكتور تامر شوقي الخبير التربوي أن عقد امتحانات الثانوية العامة داخل تجمعات مدرسية في كل إدارة تعليمية يمثل فكرة تنظيمية حديثة، لأنها تمنح الوزارة قدرة أكبر على الرقابة والانضباط، كما تعد بديلا أكثر واقعية وأمانا من مقترح سابق كان ينقل الامتحانات إلى الجامعات.
وتبرز وظيفة رأي شوقي في توضيح الجانب التنظيمي للقرار، إذ يربط التجمعات بسهولة وصول الملاحظين والمراقبين، وإنشاء وحدة طبية مركزية، وتعزيز التفتيش ضد الغش الإلكتروني، وضمان وصول أوراق الأسئلة في توقيت واحد، وتيسير جمع كراسات الإجابة ونقلها إلى الكنترولات.
لكن شوقي نفسه حذر من تحديات لا يمكن إخفاؤها خلف خطاب الانضباط، أبرزها تكدس الطلاب أثناء التفتيش، واحتمال تأخر دخولهم إلى اللجان، وتأثر عدد كبير من اللجان عند وقوع طارئ مثل انقطاع الكهرباء أو ظرف أمني، إضافة إلى اختناقات مرورية حول التجمعات.
ولهذا لا يكفي أن تقدم الوزارة التجربة باعتبارها حلا جاهزا، لأن أي خلل في مجمع يضم لجانا عدة سيصيب عددا أكبر من الطلاب في لحظة واحدة، بينما تحتاج الثانوية العامة إلى هدوء نفسي ودقة لوجستية لا إلى مشهد حشود يسبق الامتحان كل صباح.
الغش الإلكتروني يطارد الوزارة والطلاب يدفعون الثمن
تكشف الإجراءات الجديدة أن الغش الجماعي والإلكتروني ظل يطارد الثانوية العامة رغم التشريعات والعقوبات والتفتيش، فقد تحدثت الوزارة عن سماعات وأقلام وبطاقات إلكترونية ووسائل تقنية متطورة، بما يؤكد أن أزمة الامتحانات تجاوزت الورقة والأسئلة إلى سوق غش منظم يسبق اللجنة نفسها.
وفي هذا المحور، يخدم رأي الدكتور كمال مغيث الباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية فهم جذور الأزمة، إذ قال سابقا إن الغش لم يعد محاولات فردية فقط، بل ارتبط بجماعات وقوى محمية ذات نفوذ، وهو ما يجعل ضبط الامتحانات عبئا يتجاوز حارس الباب.
كذلك يخدم رأي الدكتور رضا مسعد رئيس قطاع التعليم العام الأسبق زاوية التحذير التقني، بعدما ربط منذ سنوات بين الهاتف المحمول وتهديد نزاهة الامتحانات، وشدد على تسليم الهواتف قبل دخول اللجان، وهي إشارة مبكرة إلى أن أدوات الغش كانت تتطور أسرع من استجابة الوزارة.
وبناء على ذلك، تبدو التجمعات محاولة لعلاج نتيجة لا سبب، لأن المشكلة الحقيقية تبدأ من رهبة الثانوية العامة وسوق الدروس الخصوصية وضعف الثقة في العدالة وتراجع دور المدرسة، وهذه العوامل تدفع بعض الطلاب إلى البحث عن الغش كمسار بديل داخل امتحان مصيري.
قرار قوي يحتاج ضمانات لا بيانات طمأنة
تقول الوزارة إن أسئلة الثانوية العامة ستوضع وفق المواصفات الفنية لتلافي الشكاوى الجماعية، وإن النظام الجديد سيحقق انضباطا كاملا ويحد من الغش، لكن هذه التصريحات لا تكفي إذا لم تعلن الوزارة تفاصيل دقيقة عن التفتيش والمواصلات والطوارئ والكهرباء والوحدات الطبية داخل كل تجمع.
ثم إن تجميع اللجان في مربع واحد قد يحل مشكلة تشتت فرق المتابعة، لكنه قد يخلق ضغطا إنسانيا على الطلاب وأولياء الأمور في محيط كل مجمع، خصوصا مع بداية اليوم الامتحاني، حيث تتداخل حركة التفتيش والانتظار والقلق والمواصلات تحت رقابة أمنية مكثفة.
لذلك يحتاج القرار إلى مساءلة واضحة قبل بدء الامتحانات في 21 يونيو 2026، لأن الثانوية العامة ليست تجربة إدارية على الورق، بل موسم قلق ومال ودروس وسفر داخل كل بيت، وأي ارتباك في الدخول أو التأمين أو توزيع الأسئلة يتحول فورا إلى ظلم جماعي.
وفي النهاية، لا تستطيع الوزارة أن تبيع نظام التجمعات كإنجاز كامل قبل اختباره، فالمعيار ليس عدد المجمعات ولا عدد رجال الأمن، بل قدرة القرار على حماية الطالب العادل من الغش، ومنع التكدس، وضمان امتحان هادئ، لأن حق الطلاب في فرصة نزيهة يسبق استعراض السيطرة.

