حذرت وزارة السياحة والآثار الساعات الماضية، من كيانات غير شرعية تروج لبرامج حج خارج الإطار الرسمي، بعد حملات تفتيشية أغلقت عددا من المكاتب الوهمية التي تبيع رحلات دينية بلا ترخيص، بينما يواجه المواطن خطر الترحيل والمنع والغرامات في السعودية.
وتكشف الأزمة خللا أوسع من نصب فردي، لأن الحاج المصري لا يخسر ماله فقط عندما يقع في فخ تأشيرة زيارة أو سكن وهمي، بل يتحول إلى مخالف أمام سلطات الحج، بينما تظهر الحكومة غالبا بعد الإعلان المضلل والدفع والسفر لا قبل وقوع الجريمة.
تأشيرة الزيارة تتحول إلى فخ قبل الوصول إلى مكة
تبدأ المشكلة من إعلانات تقدم الحج بسعر أقل من البرامج الرسمية، وتستهدف مواطنين لا يملكون القدرة على دفع تكلفة الحج النظامي، ثم تعرض عليهم تأشيرات زيارة أو برامج غير واضحة، مع وعود بدخول مكة وأداء المناسك رغم أن هذه التأشيرات لا تمنح هذا الحق.
وبعد ذلك، يكتشف المسافر أن الخطر لا يقف عند ضعف الخدمة، لأن السلطات السعودية أكدت أن تأشيرة الزيارة بكل أنواعها لا تخول حاملها أداء الحج، وأن محاولة دخول مكة أو المشاعر دون تصريح قد تعرضه لغرامة تصل إلى 20,000 ريال.
وفي الحالات الأشد، تواجه شبكات النقل أو الإيواء أو التستر على مخالفي الحج غرامات قد تصل إلى 100,000 ريال، إضافة إلى الترحيل والمنع من دخول المملكة لمدة 10 سنوات، وهو ما يجعل الحاج ضحية إعلان مصري ثم مخالفا في بلد الوصول.
وهنا حذر أحمد وحيد، عضو غرفة شركات السياحة، من إعلانات الحج والعمرة الوهمية التي يسوقها سماسرة عبر قنوات غير رسمية، مؤكدا أن تنظيم الرحلات الدينية يجب أن يبقى داخل الشركات المرخصة، لكن التحذير نفسه يكشف أن الرقابة لا تصل مبكرا إلى المواطن.
السكن البعيد والتكدس يفضحان كذبة الحج الاقتصادي
لا ينتهي الخداع عند التأشيرة، لأن شركات وسماسرة يروجون لسكن قريب من الحرم ثم يفاجأ الحاج بسكن بعيد في أحياء مثل العزيزية أو بطحاء قريش، بما يفرض عليه كلفة نقل يومية ومجهودا بدنيا لا يناسب كبار السن والمرضى خلال موسم شديد الزحام.
كما تتكرر شكاوى التكدس داخل غرف ضيقة تضم من 6 إلى 8 أشخاص، مع ضعف النظافة والإعاشة وتراجع مستوى الخدمات، بينما يكون الحاج قد دفع المبلغ كاملا قبل السفر، ولا يملك وسيلة ضغط فعالة بعد وصوله إلى مكة أو المدينة.
ومن ثم، تصبح عبارة الحج الاقتصادي غطاء لتقليل حقوق الحاج لا فقط تقليل التكلفة، لأن البرنامج الرخيص لا يبرر إخفاء المسافة الحقيقية عن الحرم أو تغيير الفندق أو تقليص الوجبات أو ترك الحاج يدفع من جيبه ثمن انتقالات لم تكن في حسابه.
وفي هذا المحور، قال علاء الغمري، عضو مجلس إدارة غرفة شركات السياحة الأسبق، إن أزمة السماسرة تكشف أن أدوات تنظيم السفر الديني لا تستخدم بالقوة الكافية، وإن حماية المواطن تحتاج رقابة قبل البيع لا شكاوى بعد الوصول وتدهور الخدمة.
رقابة موسمية لا تكفي لحماية الحجاج
تقول وزارة السياحة إن الشركات المنظمة للحج السياحي ملزمة بإدراج بيانات الحجاج والسكن ومواعيد السفر بدقة عبر المسار الإلكتروني السعودي، كما تؤكد أن أي إخلال بالبيانات قد يعرض الشركة للعقوبات أو الحرمان من تنظيم الحج في المواسم المقبلة.
لكن أصل المشكلة أن الكيانات الوهمية لا تنتظر اعتمادا رسميا كي تبدأ البيع، فقد أعلنت الداخلية المصرية في يناير 2026 ضبط 25 شركة غير مرخصة تنصب على المواطنين باسم الحج والعمرة، كما تحدثت تقارير أخرى عن وصول المضبوطات إلى 44 كيانا في حملات متتابعة.
وبالتالي، لا تكفي حملات الإغلاق إذا جاءت بعد جمع الأموال وتخزين جوازات السفر وإصدار إيصالات نقدية، لأن السمسار يتحرك على مواقع التواصل وبين المحافظات بسرعة أكبر من إجراءات التفتيش، بينما يدفع المواطن الثمن من مدخراته ومن سلامته القانونية عند المنافذ.
وفي هذا السياق، شدد ناصر تركي، نائب رئيس اتحاد الغرف السياحية وعضو اللجنة العليا للحج والعمرة، على ضرورة منع السفر خارج القنوات الرسمية، وهو موقف يضع المسؤولية على الحكومة في تضييق مساحة السوق الموازي بدل الاكتفاء بتحذير المواطنين من السقوط فيه.
لذلك، تحتاج الحكومة إلى منصة إلزامية تعرض اسم الشركة المرخصة ورقم الترخيص ونوع التأشيرة وموقع السكن والمسافة من الحرم ووسيلة النقل قبل دفع أي مبلغ، مع تجريم الإعلان عن الحج خارج هذه البيانات، حتى لا يبقى الحاج مسؤولا وحده عن كشف الخدعة.
وفي النهاية، لا تبدأ حماية الحجاج من المطار ولا من منفذ الوصول، بل من لحظة ظهور الإعلان الأول عن حج رخيص بلا تصريح واضح، فإذا ظلت الدولة تلاحق السمسار بعد البيع فقط، فسيتحول موسم الحج إلى سوق مفتوح للوهم يدفع ثمنه البسطاء.

