كشفت الجريدة الرسمية، الخميس، عن قرار جديد أصدره رئيس مجلس الوزراء بنزع ملكية أراضٍ وعقارات مطلة على نهر النيل في مناطق منيل شيحة وأبو النمرس وجزيرة الدهب بمحافظة الجيزة، بمساحة إجمالية تبلغ 25.5 ألف متر مربع، لصالح استكمال مشروع “متنزهات وممشى أهل مصر”، ما أثار موجة غضب واسعة بين الأهالي والمتضررين مع تصاعد الاستغاثات بسبب التهجير وفقدان الملكيات الخاصة مقابل تعويضات وصفها متضررون بأنها غير عادلة.
وربط متضررون ومعارضون القرار بسلسلة ممتدة من إجراءات نزع الملكية التي توسعت فيها حكومة عبد الفتاح السيسي خلال السنوات الأخيرة تحت لافتة “المنفعة العامة”، بينما اتهم حقوقيون الدولة باستخدام سلطاتها التنفيذية لانتزاع أراضي المواطنين ورجال الأعمال وحتى المعارضين السياسيين دون فتح مسارات تفاوض حقيقية أو ضمانات كافية لحماية حق الملكية الذي يكفله الدستور.
اعتراضات قانونية وغضب شعبي بعد توسع قرارات نزع الملكية.
أكدت وزارة العدل في الإيضاحات المرفقة بالقرار أن الهيئة الهندسية للقوات المسلحة اعتمدت مسار مشروع الممشى الجديد بمحاذاة نهر النيل بعرض 20 مترًا، وهو ما أدى إلى تعارض مباشر مع ملكيات خاصة لمواطنين ومستثمرين وشركات في مناطق منيل شيحة وأبو النمرس وجزيرة الدهب.
وأوضحت الوزارة أن الهيئة المصرية العامة للمساحة قدرت التعويض المبدئي للأراضي والعقارات المنزوعة بنحو 70 مليون جنيه، بينما أظهرت كشوف الملكيات وجود أسماء بارزة لشخصيات سياسية ورجال أعمال وملاك من دول الخليج ضمن المتضررين من القرار الحكومي.
وفي السياق نفسه شمل القرار نزع ملكية مساحات تتجاوز ألفي متر مربع مملوكة لرئيس حزب المحافظين والقيادي بالحركة المدنية الديمقراطية أكمل قرطام داخل منطقة جزيرة الدهب، إلى جانب أراضٍ ومنشآت متنوعة تقع ضمن نطاق تنفيذ المشروع.
كما تضمن القرار نزع ملكية نحو 457 مترًا مملوكة لرجل الأعمال حسن راتب في منطقة أبو النمرس، إضافة إلى أراضٍ فضاء ومنشآت سياحية وقاعات أفراح وملاعب مملوكة لمواطنين وشركات خاصة.
وبالتزامن مع ذلك امتدت قرارات النزع إلى أراضٍ زراعية ومساحات فضاء مملوكة للجوهرة آل إبراهيم زوجة ملك السعودية الأسبق فهد بن عبد العزيز، بمساحات تقترب من 8 آلاف متر مربع، فضلًا عن ملكيات أخرى تعود لمواطنين كويتيين ويمنيين.
وانتقد الباحث العمراني الدكتور ياسر عبد الوهاب ما وصفه بالاتجاه الحكومي المتسارع نحو التوسع في نزع الملكيات بدلًا من البحث عن حلول تفاوضية عادلة، مؤكدًا أن الدولة باتت تعتمد على أدوات الإزالة القانونية بصورة شبه دائمة في المشروعات المرتبطة بالبنية التحتية والاستثمار.
وأضاف عبد الوهاب أن الحكومة تتعامل مع حق الملكية باعتباره عقبة إدارية يمكن تجاوزها بقرار تنفيذي، رغم أن الدستور المصري ينص بوضوح على حماية الملكية الخاصة وعدم نزعها إلا للضرورة القصوى وبمقابل عادل وفوري يضمن عدم الإضرار بالمواطنين.
ومن جهته كتب الناشط مصطفى التهامي عبر منصة إكس أن “التوسع في قرارات نزع الملكية بقي شيء مقرف وغير دستوري بالمرة”، معتبرًا أن القانون جرى وضعه ليكون استثناء محدودًا للحالات الضرورية وليس أداة دائمة لفرض المشروعات بالقوة.
https://x.com/Mostafa28421700/status/2054952653910577310
وأشار التهامي إلى أن الحكومة تتجاهل خيار التفاوض وشراء العقارات بأسعار عادلة، رغم أن هذا المسار أقل ضررًا اجتماعيًا وأكثر احترامًا لحقوق المواطنين، خصوصًا في المناطق السكنية القديمة المطلة على النيل.
مشروع “ممشى أهل مصر” يوسع دائرة التهجير على ضفاف النيل.
أصدر عبد الفتاح السيسي في عام 2022 قرارًا بإنشاء مشروع “ممشى ومتنزهات أهل مصر” في مناطق منيل شيحة وأبو النمرس على أراضٍ تابعة لوزارتي الري والزراعة ومحافظة الجيزة، ضمن خطة توسع عمراني تتولاها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة.
لكن التنفيذ العملي للمشروع كشف لاحقًا عن وجود تعارضات واسعة مع ملكيات خاصة لمواطنين ومستثمرين وشركات، وهو ما دفع الحكومة إلى إصدار قرارات متلاحقة بنزع الملكية لتأمين مسار الممشى المطل على النيل.
وفي هذا الإطار قال أستاذ التخطيط العمراني الدكتور خالد صديق إن توسع الدولة في تنفيذ مشروعات ترفيهية وسياحية على ضفاف النيل يتم غالبًا دون إشراك المجتمعات المحلية أو دراسة التأثيرات الاجتماعية الناتجة عن اقتلاع السكان وإزالة الأنشطة الاقتصادية القائمة.
وأوضح صديق أن مشروعات المماشي والكباري أصبحت ترتبط مباشرة بإعادة تشكيل الخريطة العقارية والاستثمارية للمناطق النيلية، ما أدى إلى ارتفاع حدة النزاعات بين الحكومة والملاك المتضررين في عدة محافظات خلال السنوات الأخيرة.
وفي المقابل تصاعدت ردود الفعل الغاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي بعد نشر تفاصيل القرار، خصوصًا مع شعور قطاعات واسعة بأن الدولة باتت تتعامل مع المواطنين باعتبارهم عائقًا أمام المشروعات الجديدة وليس أصحاب حقوق أصيلة.
وكتب الصحفي محمد عبد الرحمن عبر منصة إكس أن ما يحدث يؤكد ما وصفه سابقًا بأن السلطة “بعدما انتهت من المعارضين بدأت تلاحق الناس العاديين”، معتبرًا أن قرارات نزع الملكية توسعت بصورة غير مسبوقة وأصبحت تمس قطاعات أوسع من المجتمع.
https://x.com/mohamed041979/status/2055027106132684883
فيما سخر حساب آخر باسم علي من القرار وكتب أن الأراضي المنزوعة على النيل “ستنتهي للإمارات مثل غيرها”، في إشارة إلى مخاوف متزايدة من تحويل المناطق النيلية لاحقًا إلى مشروعات استثمارية وسياحية لصالح جهات خليجية.
https://x.com/AAlgndy63896/status/2054908883668267478
بينما تساءلت دينا أميري عبر منصة إكس عن مصير أصحاب العقارات الذين قد يجدون أنفسهم مشردين بعد سنوات من شراء بيوتهم أو استثماراتهم، مؤكدة أن القضية لا تتعلق بخلفيات الملاك بل بحقوق أساسية مرتبطة بالعدل والاستقرار والشفافية.
https://x.com/amiridina/status/2054916675892343252
وأشار الخبير الاقتصادي الدكتور ممدوح الولي إلى أن المشروعات المرتبطة بالمناطق النيلية أصبحت تمثل أحد أهم محاور إعادة توزيع الثروة العقارية في مصر، مؤكدًا أن غياب الشفافية حول مستقبل هذه الأراضي يضاعف الشكوك والغضب الشعبي.
وأضاف الولي أن الدولة تقدم أغلب هذه المشروعات باعتبارها خدمات عامة، لكن التجارب السابقة أظهرت أن أجزاء واسعة من المناطق التي جرى تطويرها تحولت لاحقًا إلى استثمارات تجارية مرتفعة التكلفة لا يستفيد منها المواطن العادي.
تقرير “ديوان العمران” يكشف تصاعد نزع الملكيات خلال 2025
كشف تقرير صادر عن مؤسسة ديوان العمران البحثية في فبراير الماضي عن تصاعد غير مسبوق في قرارات نزع الملكية خلال عام 2025، بعدما نزعت الدولة نحو 2.5 مليون متر مربع لصالح مشروعات مختلفة في عدة محافظات.
وأوضح التقرير أن قرارات النزع تسببت في تضرر مباشر لنحو 2500 مواطن، بينما استحوذ قطاع الطرق والكباري وحده على أكثر من 51% من إجمالي المساحات المنزوعة خلال العام نفسه.
وبحسب التقرير جاءت محافظة الإسكندرية في صدارة المحافظات الأكثر تضررًا بمساحات تجاوزت 577 ألف متر مربع، وسط أزمات متلاحقة شهدتها مناطق مثل طوسون وبرج “لؤلؤة الإسكندرية” الذي نزعت ملكيته لصالح مشروع فندقي.
فيما حلت القاهرة في المرتبة الثانية من حيث المساحات المنتزعة، تلتها محافظات الدقهلية والقليوبية والجيزة، بمساحات تراوحت بين 200 و300 ألف متر مربع لكل محافظة خلال عام واحد فقط.
وأكد أستاذ القانون الدستوري الدكتور نور فرحات أن التوسع في استخدام قانون نزع الملكية يكشف خللًا واضحًا في مفهوم “المنفعة العامة”، خاصة مع غياب الرقابة البرلمانية الحقيقية وضعف قدرة المواطنين على الطعن الفعال ضد القرارات التنفيذية.
وأضاف فرحات أن الأصل في القانون هو حماية الملكية الخاصة، بينما يفترض أن تبقى إجراءات النزع استثناءً محدودًا ومقيدًا بضوابط صارمة، وليس سياسة دائمة تستخدمها الحكومة لتسريع تنفيذ المشروعات دون توافق مجتمعي.
وفي ضوء تصاعد الشكاوى يرى مراقبون أن أزمة نزع الملكيات لم تعد مجرد نزاعات عقارية متفرقة، بل تحولت إلى ملف سياسي واجتماعي واسع يعكس حجم التوتر بين الدولة وقطاعات من المواطنين الذين يشعرون بأن حقوقهم أصبحت مهددة تحت ضغط المشروعات الكبرى.
ومع استمرار صدور قرارات جديدة في محافظات مختلفة تتزايد المخاوف من اتساع دائرة المتضررين خلال الأشهر المقبلة، خصوصًا في المناطق المطلة على النيل والمناطق المستهدفة بمشروعات استثمارية وسياحية تنفذها جهات سيادية وشركات مرتبطة بالدولة.
وفي ظل غياب آليات تفاوض معلنة وضمانات واضحة لتعويض المتضررين بصورة عادلة تبدو أزمة نزع الملكيات مرشحة لمزيد من التصعيد، بينما يواصل الأهالي نشر الاستغاثات والتحذير من تحول “المنفعة العامة” إلى غطاء قانوني لإعادة توزيع الأراضي بالقوة على حساب السكان الأصليين.

