كشفت موجة الانشقاقات الأخيرة داخل «قوات الدعم السريع» عن تصاعد الاضطراب الداخلي في بنية القوة المسلحة التي تخوض حرباً مفتوحة مع الجيش السوداني منذ أكثر من 3 أعوام، بعدما أعلن القائد الميداني البارز علي رزق الله المعروف بـ«السافنا» خروجه من صفوف القوات، لينضم إلى سلسلة من القيادات العسكرية التي غادرت التنظيم خلال الأشهر الماضية وسط تصاعد التوترات القبلية والعسكرية.

 

وتفتح هذه التطورات الباب أمام تساؤلات متزايدة حول قدرة «الدعم السريع» على الحفاظ على تماسكها الميداني وتحالفاتها القبلية، خصوصاً مع تحول الحرب إلى استنزاف طويل أرهق خطوط الإمداد وأعاد ترتيب الولاءات داخل دارفور وكردفان، في وقت تتزايد فيه الضغوط العسكرية والسياسية على قيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي».

 

انشقاقات متتالية تضرب القيادات الميدانية

 

جاء إعلان انشقاق علي رزق الله «السافنا» باعتباره التطور الأبرز في سلسلة الانشقاقات الأخيرة، نظراً إلى مكانته العسكرية داخل «الدعم السريع» ودوره في إدارة معارك دارفور وكردفان خلال السنوات الماضية، حيث اعتبره مراقبون أحد أكثر القادة الميدانيين تأثيراً داخل هيكل القوات.

 

وسبق السافنا عدد من القيادات التي غادرت صفوف «الدعم السريع»، أبرزهم اللواء النور أحمد آدم المعروف بـ«النور القُبة»، إضافة إلى القائد الميداني بشارة الهويرة الذي انشق في شمال كردفان، فضلاً عن أبو عاقلة كيكل قائد قوات «درع السودان» الذي كان أول المنشقين البارزين في أواخر عام 2024.

 

وأثار انشقاق الهويرة اهتماماً واسعاً داخل الأوساط العسكرية السودانية، بسبب موقعه في منطقة «بارا» القريبة من مدينة الأبيض، التي تعد واحدة من أهم معاقل الجيش السوداني في ولاية شمال كردفان، كما تمثل المنطقة نقطة استراتيجية تربط غرب السودان بشرقه ووسطه.

 

وتشير تقديرات متداولة إلى أن الهويرة غادر «الدعم السريع» برفقة قوة ميدانية تتراوح بين 11 و15 عربة قتالية مزودة بكامل عتادها العسكري، وهو ما اعتبره مراقبون ضربة ميدانية مباشرة للقوات، رغم محاولات قيادات «الدعم السريع» التقليل من أثر الخطوة.

 

كما اتجهت الأنظار إلى السافنا عقب انشقاق النور القُبة في أبريل الماضي، بعدما انتشرت معلومات عن مغادرته جبهات القتال واتجاهه إلى خارج السودان، قبل أن يظهر لاحقاً في تسجيل مصور نافياً تلك الأنباء، ثم يعود بعدها بأسابيع ليعلن انشقاقه رسمياً.

 

وتفيد معلومات متقاطعة بأن السافنا غادر مناطق القتال متوجهاً إلى أوغندا ثم إلى الهند لتلقي العلاج، قبل أن يظهر في تسجيل مصور من موقع غير معلن يعتقد أنه داخل الهند، معلناً خروجه النهائي من «الدعم السريع».

 

صراع الولاءات القبلية داخل «الدعم السريع»

 

تحاول قيادات «الدعم السريع» التقليل من أهمية الانشقاقات الأخيرة، مؤكدة أن القوات لا تزال تحتفظ بمواقعها العسكرية الرئيسية، وأن خروج بعض القادة لن يغير موازين القوى على الأرض، خصوصاً مع استمرار سيطرة القوات على مناطق واسعة في دارفور وأجزاء من كردفان.

 

لكن مراقبين يرون أن خطورة هذه الانشقاقات لا تتعلق فقط بالخسائر العسكرية المباشرة، بل بطبيعة البنية التنظيمية لـ«الدعم السريع» نفسها، التي قامت منذ تأسيسها على التحالفات العشائرية والولاءات القبلية وشبكات النفوذ المحلية أكثر من اعتمادها على هيكل عسكري مركزي صارم.

 

وخلافاً للجيوش النظامية التقليدية، اعتمدت «الدعم السريع» على تكوين مرن يسمح بسرعة الانتشار والحشد، لكنه جعلها أكثر عرضة للتفكك الداخلي مع طول أمد الحرب وتصاعد الخلافات بين القيادات الميدانية ومراكز اتخاذ القرار داخل القيادة العليا.

 

ويبرز في هذا السياق اسم الزعيم القبلي موسى هلال، الذي تشير تقديرات إلى أنه لعب دوراً غير مباشر في تشجيع بعض الانشقاقات الأخيرة، خاصة أن السافنا والنور القُبة وبشارة الهويرة ينحدرون جميعاً من عشيرة المحاميد التابعة لقبيلة الزريقات، التي تمثل العمود القبلي الأبرز لـ«الدعم السريع».

 

كما تربط تقارير عديدة بين تصاعد التوترات الحالية وبين الهجوم الذي شنته «الدعم السريع» على بلدة «مستريحة» معقل موسى هلال في شمال دارفور، وهو الهجوم الذي أدى إلى مقتل أحد أبناء هلال ودفعه إلى مغادرة المنطقة باتجاه مناطق سيطرة الجيش السوداني.

 

ويرى كثير من المراقبين أن أحداث «مستريحة» شكلت نقطة تحول داخل البيئة القبلية الحاضنة لـ«الدعم السريع»، بعدما تسببت في تصاعد حالة الغضب وسط مجموعات كانت ترتبط تاريخياً بعلاقات وثيقة مع موسى هلال قبل صعود حميدتي وهيمنة عائلة دقلو على القرار العسكري والسياسي داخل القوات.

 

أزمة قيادة وحرب استنزاف طويلة

 

خلال لقاء جمع حميدتي بقيادات عسكرية في مدينة نيالا الأسبوع الماضي، تجنب قائد «الدعم السريع» الحديث المباشر عن انشقاق النور القُبة، لكنه لمح إلى وجود اختراقات داخل قواته من قبل الجيش السوداني والحركة الإسلامية، في إشارة إلى تصاعد أزمة الثقة داخل التنظيم.

 

ويعزو محللون تصاعد الانشقاقات أيضاً إلى طبيعة إدارة القرار داخل «الدعم السريع»، حيث يحتكر حميدتي وشقيقه عبد الرحيم دقلو السلطة العسكرية الفعلية، وسط شكاوى متزايدة من تهميش بعض القادة الميدانيين وتراجع نفوذهم داخل منظومة اتخاذ القرار.

 

كما ساهمت الحرب الطويلة في إنهاك البنية العسكرية والقبلية للقوات، خصوصاً مع تعدد الجبهات واتساع رقعة القتال بين دارفور وكردفان والخرطوم، إضافة إلى الضغوط المرتبطة بالإمداد والتمويل وحركة المقاتلين بين المناطق المختلفة.

 

ويرى مراقبون أن استمرار الانشقاقات قد لا يؤدي فوراً إلى انهيار «الدعم السريع»، لكنه قد يفتح الباب أمام اضطرابات داخلية متزايدة تؤثر تدريجياً على تماسك القوة وتحالفاتها القبلية، خاصة إذا توسعت دائرة القادة المنشقين خلال الأشهر المقبلة.

 

وتشير تقديرات سياسية وعسكرية إلى أن أخطر ما تواجهه «الدعم السريع» حالياً ليس فقط الضغط العسكري من الجيش السوداني، بل احتمال تحول الخلافات القبلية الداخلية إلى عامل استنزاف دائم، يهدد بإعادة تفكيك التحالفات التي قامت عليها القوة منذ نشأتها الأولى في دارفور.

 

وفي ظل استمرار الحرب دون أفق سياسي واضح، تبدو الانشقاقات الحالية مؤشراً على مرحلة أكثر تعقيداً داخل المشهد السوداني، حيث لم تعد المعركة تقتصر على خطوط القتال التقليدية، بل امتدت إلى داخل البنية الاجتماعية والقبلية التي شكلت أساس توازنات الحرب خلال السنوات الماضية.