أرسل سكان وحدات الإسكان الاجتماعي في حي الكوثر بمنطقة الـ100 فدان بمدينة حدائق أكتوبر استغاثة عاجلة إلى مجلس الوزراء، ووزارة الإسكان وجهاز المدينة، احتجاجًا على استمرار تشغيل محطة معالجة وتحلية مياه الصرف الصحي وسط الكتلة السكنية، وما نتج عنها من روائح خانقة وانتشار للحشرات وأزمات صحية متصاعدة دفعت السكان للتحذير من كارثة بيئية تهدد آلاف الأسر داخل المنطقة.

 

وكشفت الأزمة اتساع الفجوة بين وعود الحكومة بتوفير “حياة كريمة” داخل مشروعات الإسكان الاجتماعي وبين الواقع الذي يواجهه السكان يوميًا، بعدما تحولت الوحدات التي باعتها الدولة باعتبارها مجتمعات عمرانية حديثة إلى مناطق تعاني من تدهور الخدمات الأساسية، وغياب التخطيط، واستمرار الأزمات البيئية والصحية دون تدخل حاسم من الجهات المعنية.

 

محطة الصرف تحاصر السكان داخل الكتلة السكنية

 

قال سكان حي الكوثر المعروف سابقًا باسم “607 عمارة” إن محطة معالجة وتحلية مياه الصرف الصحي الموجودة داخل التجمع السكني أصبحت مصدر تهديد مباشر لحياتهم اليومية، بسبب الانبعاثات المستمرة والروائح الكريهة التي تغطي المنطقة ليلًا ونهارًا وتمنع السكان من ممارسة حياتهم بصورة طبيعية.

 

وأضاف السكان أن الأزمة لم تعد مجرد شكوى خدمية عادية، بعدما تسببت الروائح النفاذة في انتشار واسع للحشرات والبعوض داخل المنازل، مع تصاعد شكاوى الأهالي من أمراض الصدر والحساسية ومشكلات التنفس، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن والمرضى داخل المنطقة السكنية.

 

وأوضح الأهالي أن وجود محطة الصرف وسط الكتلة السكنية حوّل الحياة داخل المشروع إلى معاناة يومية متواصلة، في ظل غياب أي حلول جذرية من الجهات التنفيذية، رغم الشكاوى المتكررة التي تقدم بها السكان خلال الشهور الماضية دون استجابة حقيقية توقف الأزمة أو تحد من آثارها الصحية.

 

وفي هذا السياق أكد خبير التخطيط العمراني الدكتور حمدي عرفة أن استمرار تشغيل محطات الصرف داخل المناطق السكنية المكتظة يعكس خللًا واضحًا في تخطيط المدن الجديدة، موضحًا أن أي مشروع إسكان يفترض أن يراعي الاشتراطات البيئية والصحية قبل تسكين المواطنين وليس بعد ظهور الأزمات.

 

وأضاف عرفة أن التوسع السريع في مشروعات الإسكان خلال السنوات الأخيرة تم في أحيان كثيرة دون استكمال البنية الخدمية بصورة آمنة، ما أدى إلى ظهور مشكلات مرتبطة بالصرف الصحي والتهوية والخدمات العامة داخل عدد من المدن الجديدة، بينما يتحمل السكان وحدهم نتائج هذا القصور التنفيذي.

 

كما أكد السكان أن ما يحدث يتناقض مع أبسط حقوق المواطنين التي نص عليها الدستور المصري، وفي مقدمتها الحق في بيئة صحية وآمنة تحفظ كرامة الإنسان وسلامته، خاصة أن المنطقة تضم آلاف الأسر التي دفعت تحصيلات الوحدات والخدمات على أساس الحصول على سكن ملائم للحياة الآدمية.

 

وبينما تتصاعد الأزمة يومًا بعد آخر، يشتكي الأهالي من غياب الشفافية بشأن طبيعة عمل المحطة ومدى مطابقتها للاشتراطات البيئية، في وقت لم تعلن فيه الجهات المختصة أي نتائج رسمية لقياسات التلوث أو حجم التأثيرات الصحية الواقعة على السكان حتى الآن.

 

مطالب عاجلة وسط صمت رسمي مستمر

 

طالب سكان الإسكان الاجتماعي في حدائق أكتوبر بسرعة إرسال لجان فنية وبيئية متخصصة لمعاينة محطة الصرف وقياس نسب التلوث والانبعاثات، مع مراجعة أسلوب تشغيل المحطة ومدى التزامها بالمعايير البيئية والصحية المعتمدة داخل المناطق السكنية.

 

وشدد الأهالي على ضرورة تنفيذ حلول عاجلة لوقف الروائح والانبعاثات والحشرات التي تحاصر السكان يوميًا، مؤكدين أن استمرار الوضع الحالي يهدد بوقوع أزمة صحية واسعة داخل المنطقة، في ظل تزايد أعداد المتضررين من الأمراض المرتبطة بالتلوث وسوء البيئة المحيطة.

 

ومن جانبه قال خبير الإدارة المحلية الدكتور أحمد زكي بدر إن تفاقم أزمات الصرف الصحي داخل المدن الجديدة يعكس ضعف المتابعة الرقابية من أجهزة المدن، موضحًا أن غياب الصيانة المنتظمة والتقييم البيئي المستمر يؤدي إلى تحوّل المشروعات الخدمية إلى مصدر تهديد مباشر للمواطنين بدلًا من خدمتهم.

 

وأضاف بدر أن الأجهزة التنفيذية تتحمل مسؤولية التأكد من توافق محطات المعالجة مع الكثافات السكانية المحيطة، خاصة في مشروعات الإسكان الاجتماعي التي تضم شرائح محدودة ومتوسطة الدخل لا تملك بدائل سكنية أخرى تمكنها من الهروب من هذه الأزمات المتكررة.

 

كما أشار السكان إلى أن تجاهل الجهات المعنية للأزمة يضاعف من حجم الاحتقان داخل المنطقة، بعدما تحولت معاناة الأهالي إلى جزء يومي من حياتهم، وسط شعور متزايد بأن المدن الجديدة التي روجت لها الحكومة باعتبارها نموذجًا للتطوير العمراني تعاني في الواقع من أزمات هيكلية متكررة.

 

وأكد الأهالي أنهم لا يطالبون سوى بحقهم الطبيعي في العيش داخل بيئة نظيفة وآمنة، بعيدًا عن التلوث والانبعاثات والحشرات، مطالبين الحكومة بسرعة التدخل قبل تفاقم الأوضاع ووصول الأزمة إلى مرحلة يصعب احتواؤها أو معالجة آثارها الصحية لاحقًا.

 

وفي الوقت نفسه يواجه السكان أزمة إضافية تتعلق بغياب الإعلان الواضح عن الإجراءات التي اتخذتها أجهزة المدينة حتى الآن، حيث لم يحصل الأهالي على أي جدول زمني محدد لمعالجة المشكلة أو تطوير المحطة أو نقلها بعيدًا عن الكتلة السكنية المزدحمة.

 

أزمات الخدمات تضرب مشروعات الإسكان الاجتماعي

 

تعاني مناطق الإسكان الاجتماعي في الـ100 فدان بمدينة حدائق أكتوبر من أزمات خدمية متراكمة لا تتوقف عند محطة الصرف الصحي فقط، إذ يشتكي السكان منذ سنوات من غياب خدمات أساسية يفترض توافرها داخل أي تجمع سكني حديث تم تسويقه باعتباره مشروعًا متكاملًا للمواطنين.

 

ويأتي على رأس هذه الأزمات استمرار غياب خدمة التليفون الأرضي والإنترنت الأرضي داخل عدد من المشروعات، رغم اعتماد قطاعات واسعة من المواطنين والطلاب على الإنترنت في الدراسة والعمل والخدمات اليومية، خصوصًا مع توسع الحكومة نفسها في تطبيقات العمل والتعليم عن بعد.

 

وفي هذا الإطار أكد الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن مشروعات الإسكان الاجتماعي فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها الخدمية بسبب ضعف البنية الأساسية وعدم استكمال المرافق بصورة حقيقية قبل تسليم الوحدات للمواطنين، موضحًا أن الدولة حمّلت السكان تكاليف الخدمات دون توفيرها بالكفاءة المطلوبة.

 

وأضاف النحاس أن تحميل المواطنين أعباء مالية كبيرة مقابل وحدات تفتقر إلى الخدمات الأساسية يعكس خللًا واضحًا في أولويات الإنفاق والتنفيذ، خاصة أن الفئات المستهدفة بهذه المشروعات تنتمي في الأساس إلى شرائح تعاني من ضغوط اقتصادية ومعيشية متصاعدة.

 

كذلك يشتكي السكان من تأخر إدخال الغاز الطبيعي رغم استكمال البنية التحتية الخاصة به وسداد تكلفته ضمن أسعار الشقق، ما أجبر الأسر على الاعتماد على أنابيب الغاز التي يبيعها التجار بأسعار مرتفعة تزيد من الأعباء المعيشية على السكان بصورة مستمرة.

 

ومع تكرار الأزمات الخدمية داخل المنطقة، تتزايد حالة الغضب بين الأهالي الذين يؤكدون أن المدن الجديدة لم تحقق حتى الآن الوعود التي قدمتها الحكومة بشأن توفير بيئة سكنية متطورة وآمنة، بينما تتكرر شكاوى السكان من نقص الخدمات وتراجع مستوى المعيشة داخل تلك المشروعات.

 

وفي المقابل لم تصدر الجهات التنفيذية حتى الآن ردودًا تفصيلية بشأن مطالب السكان المتعلقة بمحطة الصرف أو أزمات الخدمات الأخرى، رغم تصاعد المناشدات الموجهة إلى رئاسة الوزراء ووزارة الإسكان وجهاز مدينة حدائق أكتوبر خلال الأيام الأخيرة.

 

ويخشى الأهالي من أن يؤدي استمرار تجاهل الأزمة إلى تفاقم التداعيات الصحية والبيئية داخل المنطقة، خاصة مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما قد يزيد من حدة الروائح وانتشار الحشرات والأمراض المرتبطة بتلوث البيئة المحيطة بالسكان.

 

وفي ظل هذا المشهد يجد آلاف السكان أنفسهم محاصرين بين أزمات الصرف الصحي وتعطل الخدمات الأساسية وارتفاع تكاليف المعيشة، بينما تواصل الحكومة الترويج لمشروعات الإسكان باعتبارها نموذجًا للتنمية العمرانية، رغم اتساع شكاوى المواطنين من غياب الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة داخل تلك المناطق.