كشفت مصادر مطلعة بوزارة الكهرباء عن تعرض عدة مناطق في محافظات مصرية لانقطاعات كهربائية امتدت لنحو ساعتين خلال يومي الثلاثاء والأربعاء، نتيجة أعطال فنية مفاجئة بالشبكة القومية بسبب ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الاستهلاك، ما أدى إلى اضطراب التغذية الكهربائية ورفع حالة الطوارئ داخل القطاع مع توقعات بوصول الأحمال إلى 40 ألف ميجاوات خلال صيف 2026.

 

وأعادت الانقطاعات المتكررة أزمة تخفيف الأحمال إلى واجهة الغضب الشعبي، بعد أشهر فقط من تعهدات حكومية رسمية بعدم قطع الكهرباء خلال الصيف، وهو ما يضع تصريحات وزير الكهرباء محمود عصمت الصادرة في فبراير الماضي تحت اختبار مبكر، وسط تصاعد الشكاوى من تراجع كفاءة البنية التحتية رغم الزيادات المتتالية في أسعار الكهرباء التي تحملها المواطن خلال السنوات الأخيرة.

 

أعطال الشبكة تكشف عجز الاستعدادات الحكومية

 

قال مصدر مطلع على ملف الإنتاج بوزارة الكهرباء إن الانقطاعات الأخيرة جاءت بعد تعطل محولات ودوائر كهربائية بصورة مفاجئة نتيجة الضغط الكبير على الشبكة القومية، ما تسبب في تأثر عدد من المناطق بانقطاع مؤقت للتيار قبل تدخل فرق الطوارئ والصيانة لإعادة التشغيل بشكل تدريجي خلال الساعات التالية.

 

وأضاف المصدر أن أحمال الكهرباء ارتفعت بنحو 8% خلال الأسبوع الجاري، بعدما قفز الاستهلاك اليومي إلى 32.5 ألف ميجاوات مقارنة بنحو 30 ألف ميجاوات الشهر الماضي، نتيجة الارتفاع المفاجئ في درجات الحرارة وزيادة الاعتماد على أجهزة التبريد داخل المنازل والمنشآت التجارية والخدمية.

 

وفي هذا السياق أكد الدكتور محمد فؤاد أن أزمة الكهرباء الحالية لا ترتبط فقط بزيادة الاستهلاك الموسمي، لكنها تعكس وجود خلل مستمر في التخطيط طويل المدى لمنظومة الطاقة، خاصة مع غياب التحديث الكافي للشبكات وقدرات النقل والتوزيع بالتوازي مع التوسع العمراني وزيادة الطلب على الكهرباء.

 

وأوضح فؤاد أن الحكومة ركزت خلال السنوات الماضية على التوسع في إنتاج الكهرباء دون معالجة الاختناقات الموجودة داخل شبكات النقل والتوزيع، وهو ما يظهر بوضوح مع أي موجة حر قوية أو زيادة مفاجئة في الأحمال، لتتحول الأعطال الفنية المحدودة إلى انقطاعات واسعة تؤثر على المواطنين والخدمات الأساسية.

 

كما أشار المصدر إلى استمرار فرق الصيانة في تنفيذ أعمال الإصلاح بالمناطق المتأثرة، مع رفع درجة الاستعداد القصوى داخل شركات الكهرباء تحسبًا لارتفاعات أكبر في الاستهلاك خلال الأسابيع المقبلة، خصوصًا مع دخول البلاد تدريجيًا في ذروة الصيف بداية من يونيو وحتى سبتمبر 2026.

 

ويأتي ذلك بينما توقع المصدر وصول الأحمال اليومية خلال الصيف إلى نحو 40 ألف ميجاوات، وهو الرقم الأعلى المتوقع للاستهلاك خلال الموسم الحالي، ما يثير مخاوف من تكرار سيناريو تخفيف الأحمال إذا فشلت الشبكة في استيعاب الزيادة المتوقعة خلال فترات الذروة اليومية.

 

ومن جانبه قال ناصر سلامة إن الأزمة الحالية تكشف التناقض بين الخطاب الرسمي الذي يروج لقدرات ضخمة في قطاع الكهرباء وبين الواقع الفعلي الذي يواجهه المواطن، موضحًا أن الحكومة قدمت ملف الكهرباء لسنوات باعتباره نموذجًا للنجاح بينما لا تزال الانقطاعات تعود مع أول اختبار حقيقي للصيف.

 

وأشار سلامة إلى أن السلطة اعتمدت على التوسع في الاقتراض والمشروعات الكبرى المرتبطة بالطاقة دون بناء منظومة مستقرة ومستدامة لتحمل الأحمال المتزايدة، معتبرًا أن ما يحدث حاليًا يوضح أن المواطن يدفع تكلفة السياسات الاقتصادية مرتين، مرة عبر الفواتير المرتفعة ومرة عبر تراجع جودة الخدمة نفسها.

 

وعلى الرغم من تعهدات الحكومة السابقة بعدم اللجوء إلى تخفيف الأحمال خلال صيف 2026، فإن الانقطاعات الحالية أعادت الشكوك بشأن قدرة الدولة على الوفاء بهذه الوعود، خاصة مع استمرار الضغوط على الشبكة وارتفاع الاستهلاك بشكل متسارع مع كل موجة حرارة جديدة.

 

زيادات الأسعار لم تمنع تكرار الأزمة

 

جاءت الانقطاعات الأخيرة بعد سلسلة طويلة من زيادات أسعار الكهرباء التي أقرتها الحكومة خلال الأعوام الماضية، تحت مبررات تطوير الشبكة وتحسين كفاءة الخدمة وتقليل دعم الطاقة، إلا أن المواطنين وجدوا أنفسهم أمام فواتير أعلى دون تحسن واضح في استقرار التغذية الكهربائية.

 

وأكد الدكتور ثروت نافع أن رفع أسعار الكهرباء كان يفترض أن ينعكس على تحسين جودة الخدمة وتحديث الشبكات والبنية التحتية، لكن تكرار الأعطال والانقطاعات يثير تساؤلات واسعة حول أوجه إنفاق الإيرادات الضخمة التي تحملها المواطنون خلال السنوات الأخيرة.

 

وأوضح نافع أن تأثير انقطاع الكهرباء لا يقتصر على المنازل فقط، بل يمتد إلى قطاعات حيوية مثل المياه والمستشفيات والنقل والتجارة، ما يضاعف الأعباء الاقتصادية والاجتماعية على المواطنين، خصوصًا في المحافظات التي تعاني أصلًا من ضعف الخدمات الأساسية وتراجع القدرة الشرائية.

 

وفي السياق ذاته أعادت الأزمة الحالية إلى الأذهان ما جرى خلال يونيو الماضي، عندما أعلنت الحكومة نجاح الشبكة القومية في اجتياز اختبار غير مسبوق للأحمال الكهربائية وتحقيق أرقام قياسية في الاستهلاك، قبل أن تتصاعد شكاوى المواطنين من انقطاعات واسعة شهدتها مناطق متعددة بمحافظة الجيزة.

 

وبعد ساعات من تلك الانتقادات أعلنت محافظة الجيزة حينها وقوع عطل بالكابل الكهربائي الأرضي أمام محطة مترو ساقية مكي، ما تسبب في توقف محطة مياه وحدوث خلل بمحطة محولات جزيرة الدهب، وهي من المحطات الرئيسية التي تعتمد عليها مناطق واسعة داخل المحافظة.

 

كما ظهر وزير الكهرباء في ذلك الوقت داخل موقع العطل لمتابعة أعمال الإصلاح ميدانيًا، في محاولة لاحتواء حالة الغضب الشعبي، إلا أن تكرار الانقطاعات مجددًا هذا العام يعيد التساؤلات حول مدى معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة وليس فقط التعامل المؤقت مع نتائجها المباشرة.

 

ويرى متابعون أن الحكومة تواجه أزمة متصاعدة بسبب الفجوة بين الوعود الرسمية والواقع الخدمي، خاصة بعدما تم تسويق ملف الكهرباء باعتباره أحد أبرز إنجازات السلطة خلال السنوات الماضية، بينما يكشف الواقع استمرار هشاشة الشبكة أمام أي ضغط استهلاكي مرتفع.

 

صيف ساخن يهدد المواطنين والاقتصاد

 

حذرت الدكتورة سالي صلاح من أن استمرار الضغوط الحالية على الشبكة القومية مع دخول فصل الصيف قد يؤدي إلى اضطرابات أوسع في الخدمة الكهربائية، خصوصًا إذا تزامنت موجات الحرارة المرتفعة مع زيادة استهلاك القطاعين الصناعي والتجاري خلال فترات الذروة اليومية.

 

وأضافت سالي صلاح أن أي انقطاع واسع للكهرباء ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة على الإنتاج والخدمات وسلاسل الإمداد، بجانب التأثير الاجتماعي الكبير على المواطنين، خاصة في المناطق الشعبية التي تعاني من ارتفاع الكثافة السكانية وضعف وسائل التهوية والتبريد داخل المنازل.

 

وفي المقابل تتزايد مخاوف المواطنين من عودة سيناريو تخفيف الأحمال بصورة غير معلنة، عبر تكرار الأعطال الفنية والانقطاعات المؤقتة، وهو ما بدأ يظهر بالفعل في بعض المناطق خلال الأيام الماضية مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الضغط على الشبكة.

 

كما يثير تصاعد الاستهلاك خلال الصيف مخاوف إضافية تتعلق بتكلفة تشغيل محطات الكهرباء وتوفير الوقود اللازم لها، خاصة في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع فاتورة استيراد الطاقة، وهو ما قد يضع الحكومة أمام تحديات مالية وفنية متزايدة خلال الأشهر المقبلة.

 

وفي هذا الإطار يرى مراقبون أن أزمة الكهرباء الحالية ترتبط بصورة مباشرة بالسياسات الاقتصادية العامة، التي اعتمدت على رفع الأسعار وتحميل المواطنين أعباء متزايدة دون تحقيق تحسن ملموس في مستوى الخدمات الأساسية أو كفاءة البنية التحتية التي يعتمد عليها ملايين المصريين يوميًا.

 

كذلك تتخوف قطاعات واسعة من المواطنين من أن تؤدي موجات الحر المقبلة إلى تفاقم الأزمة بشكل أكبر، خاصة مع الاعتماد المكثف على أجهزة التكييف والمراوح خلال شهور الصيف، وهو ما قد يدفع الشبكة إلى حدودها القصوى في ظل استمرار الأعطال الفنية المتكررة.

 

وفي ظل هذه التطورات تبدو الحكومة أمام اختبار صعب يتعلق بقدرتها على الحفاظ على استقرار الشبكة الكهربائية خلال صيف 2026، بعدما تحولت أزمة الانقطاعات من ملف فني إلى قضية معيشية وسياسية تمس حياة المواطنين بشكل مباشر وتعيد الجدل حول جدوى السياسات الاقتصادية والخدمية القائمة.