حذّر النائب أحمد علاء فايد عضو مجلس النواب المصري من تداعيات وقف نشاط توزيع الدواء داخل الجمعيات الأهلية، ووجّه طلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيرة التضامن الاجتماعي، بعد توصيات صدرت في 26 أبريل الماضي بالتنسيق مع هيئة الدواء، وهددت استمرار علاج آلاف المرضى غير القادرين.
يكشف القرار أزمة حكومية لا تتعلق بالرقابة وحدها، لأن وزارة التضامن وهيئة الدواء أغلقتا مسارًا علاجيًا كان يسد فراغًا داخل منظومة الصحة، ثم تركتا الجمعيات بين شرط الترخيص واستحالة الحصول عليه، بينما يقف مرضى مزمنون أمام فاتورة دواء لا يقدرون عليها.
قرار تنظيمي يتحول إلى قطع خدمة علاجية
بدأت الأزمة بعد مخاطبات رسمية من الوحدة المركزية للجمعيات والعمل الأهلي، تضمنت توصيات اجتماع وزارة التضامن وهيئة الدواء بشأن تنظيم نشاط توزيع الأدوية، ثم تحولت التوصيات إلى تعليمات لمديريات التضامن والجمعيات، بما أوقف خدمات دوائية مجانية اعتمدت عليها أسر كثيرة.
وبحسب طلب الإحاطة، نصت التوصيات على استثناء نشاط الدواء أو التبرع به من لوائح النظام الأساسي للجمعيات مستقبلا، وألزمت الجمعيات القائمة بتوفيق أوضاعها، ومنعتها من تجميع أو توزيع الدواء إلا بعد الحصول على ترخيص مسبق من هيئة الدواء المصرية.
في هذا المحور، يخدم رأي الدكتور محمد حسن خليل رئيس لجنة الدفاع عن الحق في الصحة جوهر الأزمة، لأنه يربط الدواء بالحق الدستوري في العلاج، ويعتبر تحميل المرضى أعباء إضافية مساسًا مباشرًا بحق الفقراء في الوصول إلى الخدمة الصحية.
لذلك لا يظهر القرار كإجراء إداري محايد، بل كقرار يوقف قناة مساعدة قبل توفير بديل، لأن الحكومة تعرف أن جمعيات كثيرة كانت توفر أدوية شهرية لمرضى مزمنين، وتعرف أن سعر الدواء ارتفع، لكنها اختارت المنع قبل بناء مسار ترخيص قابل للتنفيذ.
تضارب التضامن وهيئة الدواء يربك الجمعيات
ثم تفاقمت الأزمة عندما توجهت جمعيات إلى هيئة الدواء المصرية لبدء إجراءات الترخيص، وفق ما أورده النائب أحمد علاء فايد، فتلقت ردودًا تفيد بعدم وجود سماحية حالية لمنح هذه التراخيص، مع توجيه بعض الكيانات إلى تغيير نشاطها بدل تقنين أوضاعها.
وبذلك وضعت الحكومة الجمعيات أمام خيارين كلاهما قاس، فإما التوقف الفوري عن توزيع الدواء وترك المرضى بلا دعم، وإما الاستمرار تحت تهديد المساءلة القانونية، وهو وضع يكشف خللًا مؤسسيًا واضحًا بين جهة تطلب الترخيص وجهة لا تتيحه.
في هذا الجزء، يدعم رأي الدكتورة منى مينا وكيل نقابة الأطباء سابقا محور أثر انقطاع الدواء، لأنها حذرت في أزمات سابقة من أن رفع سعر الدواء أو غيابه يعني موت المرضى غير القادرين، وهو تحذير ينطبق على قرار يقطع قناة مساعدة مجانية.
وعليه يصبح سؤال النائب عن سبب عدم إتاحة التراخيص سؤالًا كاشفًا، لأن الحكومة لا تستطيع الادعاء بأنها تنظم النشاط وهي تمنع أدوات التنظيم، ولا تستطيع الحديث عن سلامة الدواء وهي تترك المريض ينتقل من جمعية معروفة إلى سوق شراء فردي بلا قدرة مالية.
الرقابة لا تبرر سحق الحماية المجتمعية
في المقابل، تستند هيئة الدواء إلى اختصاصها في تنظيم ومراقبة جودة وفاعلية ومأمونية المستحضرات الطبية، كما يستند ملف تداول الدواء إلى قانون مزاولة مهنة الصيدلة، لكن سلامة الدواء لا تتحقق بإلغاء دور الجمعيات، بل تتحقق بقواعد واضحة وسجلات وتفتيش وتتبّع.
كما أن وجود خطر من أدوية منتهية الصلاحية أو سوء التخزين لا يمنح الحكومة حق تعطيل المساعدة، لأن الحل العملي يبدأ بإلزام الجمعيات بالتعامل مع صيدلي مسؤول ومخازن مرخصة وقوائم مرضى وفواتير توريد، وليس بإغلاق الباب ثم مطالبة الفقراء بالانتظار.
هنا يخدم رأي الدكتور خالد سمير أستاذ جراحة القلب وأمين صندوق نقابة الأطباء الأسبق محور التنظيم المهني، لأنه يركز في مواقفه العامة على ضرورة ضبط الممارسة الطبية دون إهدار حقوق المرضى، وهي زاوية تفصل بين الرقابة الواجبة وقطع الخدمة بلا بديل.
فترة انتقالية لا تقلل الرقابة ولا توقف العلاج
ومن ثم تحتاج الحكومة إلى فترة انتقالية معلنة لا تقلل الرقابة ولا توقف العلاج، وتشمل حصر الجمعيات العاملة وعدد المستفيدين ونوعية الأدوية وآليات التخزين والتوزيع، لأن أي تنظيم جاد يبدأ بالبيانات لا بالتعليمات المفاجئة التي تربك المحافظات والجمعيات والمرضى.
كذلك يجب أن تعلن هيئة الدواء شروط الترخيص بوضوح، وأن تفتح بابًا خاصًا للجمعيات غير الهادفة للربح، لأن مساواتها بشركات أو كيانات تجارية تنسف طبيعة الخدمة الخيرية، وتحوّل المرضى غير القادرين إلى ضحايا بين نص قانوني جامد واحتياج طبي عاجل.
وتزداد خطورة القرار مع أصحاب الأمراض المزمنة، لأن مريض الضغط أو السكر أو القلب أو السرطان لا يستطيع انتظار توافق وزاري أو مسار ورقي طويل، وكل شهر بلا دواء يزيد المضاعفات ويدفع أسرًا فقيرة إلى الاستدانة أو تقليل الجرعات أو ترك العلاج.
وفي الخلاصة، لا تعارض بين الرقابة على الدواء وحماية المرضى، لكن حكومة السيسي اختارت الطريق الأسهل فجمّدت دور الجمعيات قبل توفير البديل، وتركت التضامن وهيئة الدواء يتبادلان الإجراءات فوق أجساد الفقراء، ولذلك يجب وقف القرار مؤقتًا وفتح مسار ترخيص فوري وشفاف.

