أعلن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات تحريك أسعار بعض خدمات الاتصالات والإنترنت في مصر بنسب تتراوح بين 9% و15%، بالتزامن مع توسع الحكومة في إلزام المواطنين بالخدمات الرقمية والشمول المالي، فحوّلت الدولة وسيلة الحصول على الخدمات العامة إلى عبء جديد فوق كلفة المعيشة.

 

ومن جانبه حذر النائب ياسر الهضيبي وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب من تناقض حكومي واضح، ووجّه سؤالًا إلى رئيس الوزراء ووزير الاتصالات، لأن المواطن لا يستطيع إنهاء معاملات حكومية ومالية وتعليمية من دون اتصال مستقر، ثم يجد الحكومة نفسها ترفع تكلفة الطريق الوحيد إلى هذه الخدمات.

 

الإنترنت لم يعد رفاهية والحكومة ترفع أسعاره كسلعة اختيارية

 

جاءت الزيادة الجديدة بعد ضغوط شركات الاتصالات بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل المرتبطة بالوقود والكهرباء والاستيراد والشحن وسعر الصرف، لكن الحكومة تعاملت مع المواطن باعتباره الطرف الأسهل والأضعف في تحميل الفاتورة، بدل إلزام الشركات بضمانات جودة واضحة قبل أي تحريك للأسعار.

 

كما ينتظر المستخدمون تحديث أسعار الباقات الجديدة عبر مواقع الشركات، بينما تؤكد التصريحات المتداولة أن الزيادة تشمل بعض خدمات المحمول والإنترنت، في وقت تزداد فيه حاجة الأسر إلى الشبكة لإنهاء الخدمات الحكومية، ودفع الفواتير، ومتابعة التعليم والعمل، واستخدام المحافظ الرقمية.

 

في هذا المحور، تخدم أبحاث الدكتورة نجلاء رزق أستاذة الاقتصاد بالجامعة الأمريكية بالقاهرة زاوية الوصول العادل إلى المعرفة، لأن الاقتصاد الرقمي لا يتحول إلى فرصة تنموية حين يصبح الدخول إليه أغلى على الفقراء، بل يتحول إلى أداة فرز اجتماعي بين قادر ومحروم.

 

لذلك يكتسب سؤال الهضيبي أهميته من كونه يضع الحكومة أمام تناقضها العملي، فهي تطلب من المواطن استخدام المنصات الرقمية وتوسيع الشمول المالي، ثم تسمح بزيادة تكلفة الوسيلة الأساسية لهذا التحول، من دون إعلان دراسة منشورة عن أثر القرار على محدودي ومتوسطي الدخل.

 

الشمول المالي يتحول إلى عبء مع ضعف الدخل وجودة الخدمة

 

بناء على ذلك، لا تنحصر الأزمة في نسبة 9% أو 15% فقط، لأن الزيادة تأتي بعد موجات غلاء في الكهرباء والوقود والسلع الأساسية، وهو ما يجعل فاتورة الإنترنت جزءًا من ضغط شهري مستمر على أسر تستخدم الشبكة للعمل والدراسة والخدمات الحكومية لا للترفيه.

 

وقد طالب الهضيبي الحكومة بتوضيح مدى وجود دراسات لقياس الأثر الاجتماعي للزيادة، وسأل عن كفاية الباقات منخفضة التكلفة للاستخدام الفعلي، وهو سؤال يكشف أن طرح باقة أرخص لا يعني حماية المواطن إذا كانت السعة المحدودة لا تكفي متطلبات الخدمات الرقمية اليومية.

 

في هذا الجزء، يدعم رأي الدكتور مدحت نافع محور الأثر الاقتصادي، إذ حذر من أن رفع أسعار الإنترنت لا يقتصر على المستهلك المباشر، بل يمتد إلى هيكل التكاليف داخل الاقتصاد، لأن الخدمة تدخل في العمل والتجارة والتعليم والدفع الإلكتروني والخدمات الصغيرة.

 

ومن هنا يصبح الحديث الرسمي عن باقات منخفضة التكلفة ناقصًا، لأن الحكومة لم تربط الزيادة بمستوى دخل الأسرة أو حجم الاستخدام الضروري أو جودة الخدمة في المناطق الأضعف، ولم تعلن آلية محاسبة واضحة للشركات عند ضعف السرعة أو انقطاع الخدمة أو استنزاف الباقات.

 

جودة الإنترنت تغيب بينما الشركات تحصل على زيادة مضمونة

 

في المقابل، برر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات الزيادة بالحاجة إلى استدامة تطوير الخدمة وتحسين الجودة، لكن المواطن لا يرى ضمانًا مباشرًا يسبق الدفع، ولا يجد تعويضًا واضحًا عند سوء الخدمة، ولا يعرف كيف تتحول الزيادة المقررة إلى سرعة أفضل واستقرار أعلى.

 

ثم تكشف بيانات الاستخدام أن الإنترنت أصبح مرفقًا يوميًا واسع الانتشار، إذ أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في فبراير 2026 أن عدد مشتركي الإنترنت المحمول النشطين بلغ 95.94 مليون مشترك حتى نوفمبر 2025، وهو رقم يجعل التسعير قضية اجتماعية لا تجارية فقط.

 

هنا يخدم رأي الدكتور محمد حجازي خبير التشريعات الرقمية محور حماية المستخدم، لأن ربط الخطوط بالخدمات المالية والحكومية يجعل الاتصال حقًا عمليًا مرتبطًا بالهوية الرقمية والمعاملات، ويجعل أي خلل في التسعير أو الجودة خطرًا على قدرة المواطن على الوصول إلى خدمات الدولة.

 

وعليه لا تكفي موافقة الجهاز على الزيادة، لأن دوره لا يجب أن ينتهي عند اعتماد الأسعار، بل يجب أن يمتد إلى نشر مؤشرات جودة مفهومة للمستخدمين، وإلزام الشركات بتعويضات تلقائية، وربط أي زيادة لاحقة بتحسن مثبت في السرعة والتغطية وخدمة العملاء.

 

كذلك يطرح دخول الإنترنت الفضائي إلى مصر بأسعار مرتفعة جدًا سؤالًا إضافيًا عن العدالة الرقمية، لأن الخدمة التي يبدأ اشتراكها بآلاف الجنيهات لا تصلح بديلًا لمعظم المواطنين، ولا تعالج ضعف البنية في بعض المناطق، بل تكشف فجوة أوسع بين من يقدر ومن يستبعد.

 

وفي الخلاصة، تكشف زيادة أسعار الاتصالات والإنترنت أن حكومة السيسي توسع الاعتماد على الخدمات الرقمية ثم ترفع تكلفة استخدامها، وتترك المواطن بين باقات أغلى وخدمة غير مضمونة ودخل مضغوط، ولذلك يتحول التحول الرقمي من وعد بالتيسير إلى أداة جديدة لتحصيل الأموال من الناس.