أثارت قضية اللاجئ الفلسطيني محمد علي زنون موجة جديدة من الجدل الحقوقي في مصر، بعد إعلان “المفوضية المصرية للحقوق والحريات” استمرار احتجازه لأكثر من عامين دون توجيه اتهامات رسمية أو عرضه على جهة قضائية، في قضية اعتبرتها المنظمة “انتهاكًا صارخًا للدستور والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان واللاجئين”.

 

وقالت المفوضية، في بيان مطول، إن اللاجئ الفلسطيني محمد علي زنون، البالغ من العمر 30 عامًا والمنحدر من قطاع غزة، لا يزال محتجزًا منذ 22 أبريل 2024 داخل أحد أقسام الشرطة بمدينة نصر في القاهرة، دون تمكينه من حقوقه القانونية الأساسية، بما في ذلك التواصل المنتظم مع محاميه أو الطعن على قانونية احتجازه.

 

وبحسب البيان، فإن زنون مقيم في مصر منذ عام 2020 ويحمل جواز سفر فلسطيني، وقد جرى توقيفه في شارع عباس العقاد بمدينة نصر، على خلفية ما وصفته المفوضية بـ”تعبيره المشروع عن القلق والغضب تجاه ما يتعرض له أهله في قطاع غزة خلال العدوان الإسرائيلي المستمر”، معتبرة أن ذلك يندرج ضمن حرية الرأي والتعبير التي يكفلها القانون المصري والمواثيق الدولية.

 

اتهامات باحتجاز تعسفي ومخالفة للدستور

 

وأكدت المفوضية أن استمرار احتجاز زنون طوال هذه المدة “دون سند قانوني واضح” يمثل حالة احتجاز تعسفي تخالف نصوص الدستور وقانون الإجراءات الجنائية، فضلًا عن الالتزامات الدولية التي تعهدت بها الدولة المصرية في مجال حماية حقوق الإنسان.

 

وأشارت المنظمة إلى أن المادة 54 من الدستور تنص بوضوح على أن الحرية الشخصية حق طبيعي مصون لا يجوز المساس به، وأن أي عملية قبض أو احتجاز يجب أن تتم بأمر قضائي مسبب، مع ضرورة عرض المحتجز على جهة التحقيق خلال 24 ساعة فقط، إلى جانب ضمان حقه في الاتصال بمحاميه وأسرته، وهو ما تقول المفوضية إنه لم يتحقق في حالة زنون.

 

كما شددت على أن قانون الإجراءات الجنائية يفرض وجود اتهام محدد ومراجعة قضائية للحبس الاحتياطي، معتبرة أن غياب تلك الإجراءات طوال فترة الاحتجاز يطرح تساؤلات قانونية واسعة بشأن مشروعية استمرار توقيفه.

 

مخاوف من الترحيل القسري

 

وأبدت المفوضية المصرية للحقوق والحريات قلقًا متزايدًا مما وصفته بـ”وجود نوايا لترحيل اللاجئ الفلسطيني إلى دولة ثالثة”، مؤكدة أن ذلك يمثل تهديدًا مباشرًا لحقوقه القانونية والإنسانية، خاصة في ظل استمرار الحرب والظروف الإنسانية الكارثية داخل قطاع غزة.

 

وأكد البيان أن أي محاولة لإعادة زنون إلى قطاع غزة أو ترحيله إلى أي دولة أخرى دون موافقته الحرة والصريحة، تمثل انتهاكًا لمبدأ “عدم الإعادة القسرية”، وهو أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي للاجئين، الذي يحظر إعادة أي شخص إلى منطقة قد يواجه فيها خطرًا على حياته أو سلامته.

 

وفي هذا السياق، استندت المفوضية إلى المادة 33 من اتفاقية جنيف الخاصة باللاجئين، التي تمنع الدول من طرد أو إعادة أي لاجئ إلى أراضٍ تكون حياته أو حريته فيها مهددة بسبب انتمائه أو آرائه السياسية أو ظروف النزاع.

 

كما أشارت إلى المادة 93 من الدستور المصري، التي تلزم الدولة بالاتفاقيات والعهود الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والتي صدقت عليها مصر، معتبرة أن تلك المواثيق “تتمتع بقوة القانون المحلي”.

 

أبعاد سياسية وحقوقية

 

وتأتي هذه القضية في توقيت بالغ الحساسية، مع استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وما رافقها من تصاعد التوترات السياسية والأمنية في المنطقة، فضلًا عن تنامي المخاوف المتعلقة بأوضاع اللاجئين الفلسطينيين في عدد من الدول العربية.

 

ويرى مراقبون أن القضية تعكس تعقيدات المشهد المرتبط بملف اللاجئين الفلسطينيين، خاصة مع ازدياد الضغوط السياسية والأمنية الناتجة عن الحرب، في وقت تؤكد فيه منظمات حقوقية أن حماية الحقوق الأساسية للاجئين يجب أن تبقى منفصلة عن أي اعتبارات سياسية أو أمنية.

 

كما أعادت القضية إلى الواجهة النقاش حول أوضاع المحتجزين دون محاكمة، وحدود استخدام الحبس المطول في قضايا لا تتضمن اتهامات جنائية واضحة، وسط مطالب حقوقية متزايدة بضرورة الالتزام بضمانات العدالة والإجراءات القانونية السليمة.

 

مطالب بالإفراج والتحقيق

 

وطالبت المفوضية المصرية للحقوق والحريات النيابة العامة بفتح تحقيق عاجل في واقعة احتجاز محمد علي زنون طوال هذه الفترة دون توجيه اتهامات رسمية، ومحاسبة المسؤولين عن ذلك إذا ثبتت المخالفات القانونية.

 

كما دعت إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عنه، وتمكينه من جميع حقوقه القانونية، بما في ذلك التواصل الكامل مع أسرته ومحاميه، إلى جانب وقف أي ترتيبات أو إجراءات تستهدف ترحيله إلى دولة ثالثة دون رضاه.

 

وأكدت المنظمة أن الحل القانوني والإنساني للقضية يجب أن يستند إلى احترام حقوق اللاجئين والالتزام بالدستور المصري والقانون الدولي، سواء عبر ضمان بقائه القانوني داخل مصر أو تأمين عودته الطوعية والآمنة إلى قطاع غزة إذا اختار ذلك بنفسه.