حذر أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة الدكتور عباس شراقي من كارثة مائية تهدد السودان ومصر بسبب سد النهضة الإثيوبي بعدما أظهرت صور فضائية حديثة في 3 مايو 2026 ثبات مخزون السد عند منسوب 629 متر بإجمالي 47 مليار متر مكعب رغم بدء موسم زيادة الإيراد المائي.
كشفت التحذيرات أن الخطر لم يعد محصورا في الخلاف الفني مع إثيوبيا بل صار مرتبطا مباشرة بفشل إدارة الملف سياسيا وإنسانيا من جانب سلطة اكتفت ببيانات متأخرة بينما يعيش نحو 20 مليون سوداني على ضفاف النيل الأزرق تحت تهديد تصريفات مفاجئة قد تتكرر كما حدث في سبتمبر وأكتوبر 2025.
صور فضائية تكشف تراجع المخزون وتوقف التوربينات
وبحسب شراقي فإن مخزون سد النهضة ظل ثابتا عند منسوب 629 متر فوق سطح البحر بإجمالي 47 مليار متر مكعب في 3 مايو 2026 وهو رقم يطرح سؤالا مباشرا حول كفاءة التشغيل الفعلي للسد بعد سنوات من الاحتفالات الإثيوبية المتتالية بتشغيل التوربينات.
كما قال شراقي إن معدل الإيراد المائي خلال مايو 2026 سيشهد زيادة يومية تقدر بنحو 22 مليون متر مكعب بينما يواصل بعض الإثيوبيين التشكيك في هذه البيانات وهو تشكيك اعتبره الرجل إنكارا لحقيقة تظهرها صور الأقمار الصناعية لا الخطابات السياسية ولا الاحتفالات الرسمية.
وتعود الصورة الأولى التي استند إليها شراقي إلى 15 سبتمبر 2025 بعد 6 أيام من الافتتاح الرسمي إذ كانت المياه تعبر أعلى الممر الأوسط وتمر كذلك من خلال 3 بوابات تصريف غرب الجانب الأيسر بما يكشف حجم التصريف وقتها بعد انتهاء موسم التخزين.
ثم زاد منسوب المياه مؤقتا مترا واحدا بعد الحد الأقصى ليصل إلى 641 متر بسعة تخزينية بلغت 66 مليار متر مكعب قبل أن يتراجع يوم 3 مايو 2026 بنحو 11 متر عن الحد الأقصى 640 متر لتظهر حواف البحيرة بشريط فاتح واضح.
وعلى هذا الأساس ربط شراقي بين تراجع البحيرة إلى 629 متر وبين توقف التوربينات لأن الصورة الثانية قارنت حالة تشغيل يوم 27 فبراير 2025 بحالة 3 مايو 2026 حيث ظهرت التوربينات في وضع توقف ينسف رواية التشغيل المستقر للسد.
خبراء يحذرون من إدارة أحادية تدفع السودان إلى الخطر
وفي السياق نفسه يرى أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة الدكتور نادر نور الدين أن أخطر ما في سد النهضة ليس حجم الخرسانة ولا السعة التخزينية وحدها بل الإدارة الإثيوبية المنفردة دون اتفاق ملزم يحدد قواعد الملء والتشغيل والتصريف في مواسم الفيضان والجفاف.
لذلك وصف نور الدين فيضانات السودان السابقة بأنها من صنع البشر لا مجرد كارثة طبيعية لأن التصريفات المفاجئة من سد ضخم على النيل الأزرق تضع الخرطوم وسدودها الداخلية أمام أمر واقع قاس بين تمرير المياه أو المخاطرة بأمان المنشآت.
في المقابل يتحمل المسار المصري الرسمي جانبا من المسؤولية السياسية لأن الملف ظل سنوات طويلة محبوسا بين بيانات احتجاجية ومفاوضات بلا نتيجة بينما كانت إثيوبيا تكمل البناء والملء والتشغيل وتفرض واقعا جديدا على مصر والسودان خطوة بعد أخرى.
وبينما يركز شراقي على أن التشغيل الكفء للتوربينات كان يفترض أن يخفض حجم البحيرة إلى الثلث مع بداية هطول أمطار العام الجديد فإن بقاء المخزون عند 47 مليار متر مكعب يفتح الباب أمام فيضان جديد إذا لم يحدث تفريغ تدريجي منظم.
كذلك حذر وزير الري المصري الأسبق الدكتور محمد نصر علام في أكثر من مناسبة من أن غياب اتفاق قانوني ملزم يحول أزمة سد النهضة إلى أزمة قابلة للتكرار كل عام لأن إدارة سد بهذا الحجم دون قواعد معلنة تجعل دولتي المصب رهينة لقرار إثيوبي منفرد.
حكومة السيسي أمام فشل الاتفاق وتهديد الأمن المائي
ومع استمرار هذه المؤشرات الفنية يصبح السؤال السياسي أكثر حدة من السؤال الهندسي لأن حكومة السيسي لم تقدم للمصريين اتفاقا ملزما يحمي حصتهم المائية أو يضمن تبادل البيانات أو يلزم إثيوبيا بإخطار مسبق عند التخزين والتصريف والتشغيل.
غير أن الخطاب الرسمي المصري اكتفى غالبا بتأكيد الحقوق التاريخية والتحذير من الإجراءات الأحادية بينما تغير الواقع على الأرض بالكامل منذ بدء إنشاء السد عام 2011 وحتى احتفالات إثيوبيا بتشغيل التوربينات في فبراير 2022 وأغسطس 2022 وأغسطس 2024 وسبتمبر 2025.
ومن جهة أخرى سأل شراقي سؤالا مباشرا عن وصول كهرباء سد النهضة إلى الشعب الإثيوبي بعد أكثر من 4 سنوات على الاحتفال بتشغيل أول توربين في فبراير 2022 وهو سؤال يحرج أديس أبابا لكنه يحرج القاهرة أيضا لأنها تركت الافتتاحات تتحول إلى حقائق سياسية.
وبناء على ذلك فإن عدم فتح إحدى بوابات المفيض العلوي لتفريغ تدريجي قد يكون مرتبطا برغبة إثيوبية في إخفاء تعثر التوربينات أمام الرأي العام المحلي غير أن النتيجة العملية لا يدفع ثمنها المسؤول الإثيوبي بل سكان السودان أولا ثم أمن مصر المائي لاحقا.
في الوقت ذاته يقول أستاذ الأراضي والمياه الدكتور نادر نور الدين إن استمرار السد بلا اتفاق ملزم يفتح الباب أمام فيضانات مفاجئة أو موجات جفاف وعطش لأن الدولة التي تتحكم منفردة في بوابات التخزين والتصريف تستطيع تغيير توقيتات النهر على حساب دولتي المصب.
وعليه فإن مأساة السودان في سبتمبر وأكتوبر 2025 لا يجب أن تمر كحادث عابر لأن سكان ضفاف النيل الأزرق دفعوا ثمن غياب المعلومات المسبقة بينما كانت القاهرة تراقب تداعيات أزمة لم تعد نظرية ولم تعد قابلة للتهدئة ببيان دبلوماسي.
وبالنسبة لمصر فإن الخطر لا يقف عند فيضان موسمي أو صورة فضائية بل يمتد إلى نموذج كامل من إدارة الموارد الحيوية بالتصريحات لا بالاتفاقات لأن الأمن المائي لا يحميه خطاب سياسي بل قواعد تشغيل واضحة وتبادل بيانات يومي وآلية إلزام دولية.
ختاما يضع تحذير عباس شراقي الحكومة المصرية أمام امتحان لا يحتمل المراوغة لأن الأرقام تقول إن البحيرة عند 47 مليار متر مكعب والتوربينات موضع شك والتصريفات قد تضرب السودان مجددا بينما لا يملك المصريون حتى الآن اتفاقا ملزما يحمي مياههم وحياة جيرانهم.

