تستعد حكومة الانقلاب لطرح 10 شركات حكومية في قطاع البترول والغاز داخل البورصة المصرية وأمام مستثمرين عرب وأجانب، في خطوة تفتح أكثر من ملف في وقت واحد، من بيع الأصول الرابحة إلى ضغط الديون وتوسيع نفوذ المستثمرين الأجانب داخل قطاع الطاقة.
تكشف الخطة الحكومية أن الأزمة لا تتعلق بطرح مالي محدود، بل بانتقال شركات تأسست منذ عقود وتحقق أرباحا كبيرة إلى دائرة البيع والتسييل، بينما تتحدث الحكومة في الوقت نفسه عن الاكتفاء الذاتي من النفط والغاز وحفر آبار جديدة ومنح حوافز واسعة للشركات الأجنبية.
10 شركات رابحة على طريق البيع رغم أزمة الطاقة
في 14 أبريل أعلن مصطفى مدبولي تجهيز 10 شركات بترول للقيد المؤقت في البورصة المصرية تنفيذا لوثيقة سياسة ملكية الدولة، وكلف رئيس وحدة الشركات المملوكة للدولة هاشم السيد بوضع جدول زمني للطرح أمام مستثمرين محليين وعرب وأجانب.
وبعد هذا الإعلان قال وزير البترول كريم بدوي إن اختيار الشركات جرى وفق ملاءتها المالية وقدرتها على جذب المستثمرين الأجانب، وأضاف أن الحكومة تستهدف تدفقات مالية تدعم ميزان المدفوعات وتوفر بدائل تمويلية بعيدا عن الموازنة العامة والقروض.
لكن هذا التبرير يضع الحكومة أمام سؤال مباشر، لأن الدولة لا تبيع شركات خاسرة بل تعرض شركات قوية مثل العامة للبترول وإنبي وبتروجت وميدور وإيثيدكو وإيلاب وبترومنت وسوميد والحفر المصرية، وهي شركات تمتلك خبرة إنتاجية وهندسية وتصديرية تراكمت من المال العام.
وبالتزامن مع ذلك يبلغ إنتاج مصر من البترول نحو 58 مليون طن سنويا بينما يقترب الاستهلاك من 82.4 مليون طن سنويا، بما يصنع فجوة تقارب 30 بالمئة، ولذلك يبدو بيع أصول بترولية رابحة في هذا التوقيت قرارا يزيد هشاشة قطاع الطاقة لا يعالجها.
ثم تزيد المفارقة عندما تتحدث الحكومة عن تحقيق الاكتفاء الذاتي من النفط والغاز بحلول 2030، وتعلن خططا لحفر نحو 484 بئرا خلال 5 سنوات باستثمارات 16.7 مليار دولار، لأن الدولة التي تحتاج إلى توسيع الإنتاج لا تفرط في شركاتها القادرة على التنفيذ والاستكشاف والخدمات.
الديون وصندوق النقد يحولان الثروة العامة إلى سيولة
في خلفية الطرح تقف أزمة الديون كعامل حاكم في القرار الاقتصادي، إذ تحتاج الحكومة إلى تدفقات دولارية سريعة بعد سنوات من الاقتراض وتراجع العملة وارتفاع فاتورة الواردات، ولذلك تتحول الشركات الرابحة إلى مصدر سيولة بدلا من بقائها أداة إنتاج وسيادة اقتصادية.
ومن هذا الباب قال الخبير الاقتصادي والاستراتيجي علاء الدين سعفان إن الحكومة لا تتحرك بمنطق تطوير وتنمية بل بمنطق تاجر مفلس يسيّل أصول الشعب دون تفويض، واعتبر أن بيع الشركات الرابحة يرتبط بمطالب سداد الديون الخارجية الثقيلة.
وبناء على هذا الرأي يظهر الطرح كجزء من التزامات أوسع أمام صندوق النقد الدولي وبرنامج التخارج الحكومي، لأن الحكومة تقدم بيع الأصول بوصفه جذبا للاستثمار، بينما يرى منتقدون أنه تفريط في شركات ناجحة لتوفير دولارات قصيرة الأجل تسدد فاتورة سياسات اقتصادية فاشلة.
كما ربط الخبير الاقتصادي عبدالنبي عبدالمطلب مسار الخصخصة بإرسال رسائل طمأنة لصندوق النقد وزيادة موارد النقد الأجنبي، وهو ما يعزز المخاوف من أن القرار لا ينطلق من حاجة القطاع البترولي إلى شريك فني بل من حاجة الخزانة إلى الدولار.
لذلك لا تقف القضية عند طرح أسهم في البورصة، بل تمتد إلى سؤال الرقابة على المال العام، لأن الشركات المطروحة ليست أرقاما في نشرة مالية، بل أصول استراتيجية بناها المصريون عبر عقود، وتدخل في الطاقة والنقل والصناعة والتصدير والخدمات الهندسية.
شركات عملاقة تتحول من أصول وطنية إلى فرص للمستثمرين
توضح أرقام الشركات حجم الخسارة المحتملة، إذ تأسست بتروجت عام 1975 وتملك الهيئة العامة للبترول 97 بالمئة منها وتوظف 36 ألف عامل، وحققت تعاقدات بقيمة 121 مليار جنيه في العام الماضي، كما تجاوز حجم أعمالها حتى 2029 مستوى 246 مليار جنيه.
كما حققت بتروجت صافي ربح بلغ 14 مليار جنيه عام 2024، وتوسعت في مشروعات ضخمة مثل الضبعة النووي في مصر ونيوم في السعودية، ولذلك لا تبدو الشركة عبئا على الدولة بل تبدو أصلا رابحا يستطيع دعم الاقتصاد إذا بقي تحت إدارة وطنية ورقابة عامة.
وبعد ذلك تأتي إنبي التي تأسست عام 1978 وتمتلك الهيئة العامة للبترول 97 بالمئة من أسهمها، وحققت في 2025 تعاقدات بنحو 1.34 مليار دولار، جاء 97 بالمئة منها من أسواق خليجية، كما حققت في 2024 نحو 2.7 مليار جنيه صافي ربح بعد الضرائب.
وفي المسار نفسه سجلت الحفر المصرية أرباحا بلغت 132 مليون دولار وإيرادات إجمالية بلغت 402 مليون دولار، مع كفاءة تشغيلية وصلت إلى 98.8 بالمئة، وهي أرقام تجعل بيعها أو طرح حصة مؤثرة منها خطوة صعبة التبرير في بلد يبحث عن زيادة الإنتاج المحلي.
كذلك حققت ميدور 129 مليون دولار في العام الماضي بزيادة 63 بالمئة، بعد تكرير 49 مليون برميل خام وإنتاج 6.6 مليون طن منتجات بترولية، بينما سجلت إيثيدكو زيادة في الإيرادات بنسبة 38 بالمئة وصادرات بقيمة 211 مليون دولار إلى 35 دولة.
الأجانب يحصلون على الحوافز والشركات الوطنية تدخل المزاد
في الوقت نفسه تقدم الحكومة حوافز للشركات الأجنبية تشمل السماح بتصدير حصة من الإنتاج وسداد مديونيات مستحقة تبلغ 6.1 مليار دولار في 30 يونيو، وهو ما يطرح سؤالا عن سبب دعم المستثمر الأجنبي بحوافز واسعة مقابل دفع الشركات الوطنية الرابحة نحو البيع.
وبناء على هذا التناقض يتسع القلق من انتقال أصول قطاع الطاقة إلى صناديق عربية وأجنبية، لأن قطاع البترول ليس قطاعا تجاريا عاديا، بل ملف يرتبط بسعر العملة وفاتورة الاستيراد وكلفة النقل والصناعة والكهرباء وقدرة الدولة على مواجهة صدمات الأسواق العالمية.
وقد حذر علاء الدين سعفان من سيطرة صناديق إقليمية أو شركات أجنبية على مفاصل الطاقة، واعتبر أن بيع شركات مثل إنبي وبتروجت يمثل تجريدا لمصر من جزء من عقلها الهندسي النفطي وخبرتها الفنية التي تراكمت داخل مؤسسات وطنية منذ عقود.
ومع ذلك لا تقتصر المخاوف على المالك الأجنبي فقط، لأن طريقة الطرح نفسها قد تحدد مستقبل الشركات، فإذا حصل مستثمر استراتيجي على حصة مؤثرة مع حقوق إدارة، فقد تتحول أولويات الشركات من خدمة احتياجات السوق المحلي إلى تعظيم الربح وتحويل العوائد للخارج.
لذلك يصبح مطلب توحيد الموازنة ودمج الأنشطة الخارجة عن الرقابة العامة شرطا قبل بيع أصول الشعب، لأن الحكومة لا تكشف بوضوح عن أرباح اقتصاد الأجهزة السيادية ولا عن موارد الصناديق الخاصة، ثم تتجه إلى بيع شركات قطاع الأعمال العام التي يملكها المواطنون فعليا.
في النهاية يختصر طرح 10 شركات بترول رابحة مأزق الاقتصاد المصري تحت حكم السيسي، فالدولة التي أغرقت البلاد في الديون تبيع أصول الطاقة باسم الاستثمار، والدولة التي تتحدث عن الاكتفاء الذاتي تفتح شركات الإنتاج والهندسة والتكرير أمام المستثمرين، بينما يبقى المواطن خارج القرار وداخل الفاتورة.

