كشف تقدير ستاندرد تشارترد عن خروج ما بين 12 و15 مليار دولار من الأموال الساخنة من مصر خلال 4 أسابيع فقط، ثم عودة ما بين 2 و3 مليارات دولار بعد هدنة الحرب، وهو رقم يضع خطاب الحكومة عن الاستقرار أمام اختبار مباشر، لأن السوق لم يحتج أكثر من أزمة إقليمية كي يكشف هشاشة الاعتماد على استثمارات قصيرة الأجل.
تظهر هذه الحركة أن الحكومة لم تغادر نموذج التمويل السريع، رغم كلفة التجارب السابقة على الجنيه والأسعار والديون، لأن الأموال التي تدخل بحثا عن عائد مرتفع تستطيع الخروج بسرعة عند أول توتر، بينما يتحمل المواطن نتيجة الضغط على العملة وتكلفة الاستيراد والفائدة، وتستمر السلطة في تقديم الأزمة كأنها مجرد اضطراب عابر.
أرقام ستاندرد تشارترد تكشف هشاشة سوق الديون
قال مازن بربير، رئيس قطاع الأسواق في بنك ستاندرد تشارترد، إن السوق المصرية شهدت خروج ما بين 12 و15 مليار دولار من الاستثمارات قصيرة الأجل خلال الأسابيع الأربعة الأخيرة، وجاء ذلك مع التذبذب الذي ضرب الأسواق بعد تصاعد الحرب، ثم عادت مبالغ بين 2 و3 مليارات دولار بعد الهدنة.
وبذلك لا تعني العودة الجزئية استعادة الثقة الكاملة، لأن الفجوة بين الأموال الخارجة والداخلة ما زالت كبيرة، فالحد الأدنى للخروج يعادل 12 مليار دولار، بينما الحد الأعلى للعودة لا يتجاوز 3 مليارات دولار، وهذا الفارق يوضح أن السوق ما زالت تحت رحمة مزاج الصناديق الأجنبية.
كما قال بربير إن المستثمرين الأجانب يحققون عوائد تصل إلى نحو 20% من خلال تجارة الفائدة في السوق المصرية، وهذا الرقم يشرح سبب الإقبال المؤقت على أدوات الدين، لأن الحكومة تدفع عائدا مرتفعا لجذب الدولار، بينما تتحول الفائدة العالية إلى عبء على الموازنة والاقتصاد الحقيقي.
وعلى هذا الأساس لا تبدو سياسة الجذب الحالية دليلا على قوة الاقتصاد، بل تبدو دليلا على اضطرار الحكومة إلى شراء بقاء الأموال الأجنبية بعائد كبير، لأن المستثمر لا يدخل إلى السوق من أجل الإنتاج أو التشغيل، بل يدخل للاستفادة من فرق الفائدة ثم يخرج عند تغير المخاطر.
الفائدة المرتفعة تحول الاستقرار إلى فاتورة
في المقابل، قال الخبير الاقتصادي هاني توفيق إن الأموال الساخنة لا تكون سلبية في كل الأحوال، لكنها تتحول إلى خطر عندما تستخدم في التحكم في سعر الصرف أو في أغراض غير إنتاجية، وهذا التوصيف يضع السياسة الحكومية في موضع مساءلة، لأن أدوات الدين لا تبني إنتاجا ولا تضيف صادرات.
وبناء على ذلك تصبح المشكلة في طريقة استخدام التدفقات لا في وجودها فقط، لأن دخول الدولار إلى أذون الخزانة يوفر راحة مؤقتة للبنك المركزي ووزارة المالية، لكنه لا يوفر طاقة إنتاجية جديدة، ولا يقلل عجز التجارة، ولا يمنع خروج الأموال عندما تتغير حسابات المخاطر لدى المستثمرين الأجانب.
ثم يضيف خروج هذه الأموال ضغطا مباشرا على سوق الصرف، لأن المستثمر الذي دخل بالجنيه يطلب الدولار عند الخروج، وعندها يدفع الجنيه ثمن الاعتماد على تدفقات غير مستقرة، بينما تواصل الحكومة الحديث عن مرونة سعر الصرف كأنها إنجاز منفصل عن كلفة التضخم على الأسر.
ومن ثم تتحمل الموازنة عبئا مزدوجا، فهي تدفع فوائد مرتفعة لجذب المستثمر الأجنبي، ثم تواجه ضغوطا جديدة عند خروجه، وهذا المسار يعني أن المواطن يمول الاستقرار المؤقت من جيبه عبر أسعار أعلى وخدمات أضعف وإنفاق عام منحاز إلى خدمة الدين.
الحرب أظهرت عجز النموذج لا صلابته
قالت هبة منير، محللة الاقتصاد في إتش سي للأوراق المالية، إن خروج الاستثمارات قصيرة الأجل يعكس الطبيعة المتقلبة لهذا النوع من رأس المال، وأشارت إلى أن صدمات الخارج تعيد الضغط على الجنيه، وهذا التقييم ينسف الدعاية التي تبيع التدفقات السريعة باعتبارها شهادة ثقة مستقرة.
وقبل ذلك سجلت السوق خروجا يتجاوز 10 مليارات دولار من الاستثمارات قصيرة الأجل منذ أواخر فبراير، بحسب تقرير للأهرام أونلاين، كما تعرض الجنيه لضغوط جديدة مع ارتفاع الطلب على الدولار، ولذلك جاء تقدير ستاندرد تشارترد ليؤكد أن الأزمة لم تكن محدودة ولا عابرة.
وفي السياق نفسه، أشار تقرير سي إن إن الاقتصادية إلى أن الحرب فتحت 3 مخاطر أمام مصر، تشمل الأموال الساخنة وقناة السويس والسياحة، وهذا الربط يوضح أن الحكومة تواجه مصادر ضغط متزامنة، لأنها تعتمد على موارد دولارية تتأثر بسرعة بالتوترات الإقليمية وسلوك المستثمرين وحركة الملاحة.
وعندما تتراجع قناة السويس أو تهتز السياحة أو تخرج الأموال الساخنة، لا تملك الحكومة هامشا واسعا للمناورة، لأنها لم تبن قاعدة إنتاجية قادرة على تعويض الصدمات، ولذلك تبدو التصريحات الرسمية عن امتصاص الأزمة محاولة لتهدئة السوق أكثر من كونها كشفا لحقيقة الوضع.
كما أن عودة 2 أو 3 مليارات دولار بعد الهدنة لا تمنح الحكومة براءة سياسية أو اقتصادية، لأن الأموال العائدة جاءت بعد هدوء مؤقت في المخاطر، وقد تخرج مرة أخرى عند تصعيد جديد، وهذا يثبت أن نموذج التمويل نفسه ما زال مكشوفا أمام كل أزمة إقليمية.
لذلك تكشف أرقام ستاندرد تشارترد أن الحكومة تدير الأزمة لا تعالج أصلها، فهي تحتفي بعودة جزء صغير من الأموال بعد خروج ضخم، ثم تترك الفاتورة للمواطن عبر سعر صرف مضغوط وفائدة مرتفعة وأسعار ملتهبة، بينما يحتاج الاقتصاد إلى دولار مستقر يأتي من الإنتاج والتصدير لا من المضاربة على الدين.
وتبقى الخلاصة أن الأموال الساخنة ليست موردا آمنا ولا بديلا عن الاقتصاد المنتج، لأن خروج 15 مليار دولار في 4 أسابيع يكفي لإظهار هشاشة الرهان الرسمي، وإذا واصلت الحكومة إنكار ذلك فستتحول كل هدنة خارجية إلى استراحة قصيرة قبل اختبار جديد يدفع المصريون ثمنه.

