تحولت أزمة منظومة التأمينات الاجتماعية الجديدة إلى ملف حقوقي ومعيشي ضاغط بعدما وجدت الحكومة نفسها أمام شكاوى واسعة من أصحاب معاشات ومؤمن عليهم وموظفين داخل المكاتب.
ورفضت دار الخدمات النقابية والعمالية رواية الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي التي اختزلت الأزمة في بطء محدود. واعتبرت الدار أن الواقع يكشف تعطيلا واسعا لخدمات تمس حقوق المواطنين اليومية.
تزامن ذلك مع تحركات برلمانية طالبت الحكومة بكشف أسباب التعطل ومراجعة تكلفة المنظومة التي قدرتها الدار بنحو 1.3 مليار جنيه.
وأعاد هذا الجدل سؤال الرقابة على أموال التأمينات إلى الواجهة.
كما وضع أصحاب المعاشات الجدد في قلب الأزمة بعدما تعثرت تسويات وصرف مستحقات منذ نهاية فبراير وفق شكاوى ميدانية وطلبات إحاطة برلمانية.
رواية الهيئة تصطدم بشكاوى المكاتب وتعطل الخدمات
بعد إطلاق المنظومة الرقمية في 24 فبراير 2026 قالت الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي إن النظام الجديد بدأ بعد اختبارات وتدريب وتشغيل تجريبي امتد سنة ونصف.
كما قالت الهيئة إن الأنظمة الضخمة تشهد تحديات في بداياتها وإنها تعمل على استقرار الخدمة.
لكن دار الخدمات النقابية والعمالية رأت أن بيان الهيئة لم يصف حجم الأزمة الحقيقي.
وأكدت الدار أن ما جرى لا يقتصر على بطء في بعض الخدمات.
وقالت إن مئات المكاتب التأمينية شهدت شللا واسعا وتعطيلا لمصالح المواطنين خلال الأسابيع الماضية.
وبسبب هذا التعطل توقفت إجراءات أساسية ترتبط بتسجيل الاشتراكات واستخراج المستندات التأمينية وتسوية ملفات معاشات جديدة.
وقدمت الدار هذه الوقائع بوصفها دليلا على فشل إداري في إدارة الانتقال من النظام القديم إلى النظام الجديد وليس مجرد خلل تقني عابر.
كما يعزز رأي كمال عباس المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية هذه القراءة لأن الدار التي يقودها رصدت الأزمة من زاوية حقوق العاملين وأصحاب المعاشات.
واعتبرت الدار أن تعطيل الخدمة العامة يعني حرمانا فعليا من حقوق تأمينية لا تحتمل التأجيل الإداري.
لذلك بدت رواية الهيئة ناقصة أمام شهادات المكاتب ومطالب المواطنين. فالهيئة تحدثت عن تحديات تشغيلية.
بينما تحدثت الدار عن نظام قديم توقف ونظام جديد لم يعمل بكفاءة مستقرة.
وهذا الفرق جعل الأزمة مسألة مساءلة حكومية لا مسألة تحديث تقني فقط.
أصحاب المعاشات يدفعون ثمن الانتقال المرتبك
ثم انتقلت الأزمة من مستوى المكاتب إلى مستوى المعيشة اليومية لأصحاب المعاشات الجدد.
فقد قالت دار الخدمات النقابية والعمالية إن عددا كبيرا من مستحقي المعاشات الجديدة لم يتمكنوا من صرف مستحقاتهم منذ نهاية فبراير بسبب توقف الإجراءات المرتبطة بالنظام الجديد.
وبما أن هذه الفئة تعتمد غالبا على المعاش كمصدر دخل أساسي فقد حول التعطل الإداري حقا مستقرا إلى انتظار مفتوح.
ولم تقدم الحكومة في البداية مسارا بديلا واضحا يضمن استمرار الصرف أثناء إصلاح المنظومة.
وهذا التقصير ضاعف العبء على الأسر المتضررة.
وفي المقابل أعلنت الهيئة أن صرف حالات استحقاق المعاشات الجديدة لشهري فبراير ومارس سيتم في الأسبوع التالي لبيانها.
لكن هذا الإعلان نفسه كشف أن الأزمة وصلت إلى مستوى تأخير استحقاقات معاشية فعلية.
كما أكد أن المواطنين احتاجوا ضغطا إعلاميا وبرلمانيا حتى تتحرك الهيئة.
ويرى الدكتور أحمد البرعي وزير التضامن الاجتماعي الأسبق في مواقفه السابقة أن ملف التأمينات يحتاج تمثيلا أقوى لأصحاب المعاشات داخل إدارة الهيئة.
وقد سبق أن أشار إلى ضعف تمثيل أصحاب المعاشات في مجلس إدارة الهيئة. وهذا الرأي يكتسب دلالة جديدة مع أزمة حجب الخدمة عن أصحاب الحق.
وبناء على ذلك تظهر الأزمة كاختبار لحماية حقوق المؤمن عليهم وليس كتعطل إداري عادي.
فالحكومة أوقفت نظاما قديما قبل ضمان تشغيل نظام جديد مستقر.
ثم تركت المواطنين يواجهون المكاتب المزدحمة والإجراءات المتوقفة والوعود المتأخرة وحدهم.
1.3 مليار جنيه وأسئلة الرقابة البرلمانية
بعد اتساع الأزمة أثارت دار الخدمات النقابية والعمالية تساؤلات مباشرة بشأن تكلفة تطوير المنظومة.
وقالت إن مشروع التحول الرقمي كلف نحو 1.3 مليار جنيه.
وطالبت الدار بكشف تفاصيل التعاقدات ومدى جاهزية البنية التقنية وأسباب غياب التشغيل المتوازي.
وبسبب غياب التشغيل المتوازي أصبح المواطن أمام فراغ إداري.
فالنظام القديم لم يعد يؤدي الخدمة كما كان.
والنظام الجديد لم يقدم خدمة مستقرة.
وتسبب هذا القرار في تعطيل ملفات المعاشات والاشتراكات والمستندات بدل أن يحقق تسهيلا فعليا للمواطنين.
كما زادت قرارات نقل بعض الاختصاصات إلى إدارات مركزية من تعقيد الإجراءات.
فقد قالت الدار إن هذا النقل أدى إلى بطء إضافي بدلا من تحسين الأداء.
وربطت الدار ذلك بعدم اكتمال الربط الإلكتروني مع الجهات الحكومية الأخرى وبضعف تدريب العاملين.
ويرى الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني في كتاباته عن ملف المعاشات أن أموال التأمينات والمعاشات أموال خاصة وحق للمستفيدين منها وتديرها هيئة مستقلة وفقا للقانون.
ويجعل هذا التصور أي إنفاق غير فعال على المنظومة موضع مساءلة مباشرة لأنه يمس أموال أصحاب الحق.
ثم دخل البرلمان على خط الأزمة بعدما تقدم فريدي البياضي بطلب إحاطة عاجل إلى رئيس الوزراء ووزيرة التضامن الاجتماعي بشأن تعطل منظومة التأمينات الاجتماعية.
وقال الطلب إن التعطل أوقف مصالح المواطنين وعطل إجراءات حيوية تخص أصحاب المعاشات والمؤمن عليهم والمستحقين.
كما تقدم أحمد بلال البرلسي بطلب إحاطة بشأن تعطل الخدمات داخل هيئة التأمينات بعد تطبيق النظام الرقمي الجديد.
وطالب الطلب بتوضيح أسباب الأزمة وتحديد المسؤوليات.
وجاء ذلك بعد تصاعد شكاوى المواطنين واتساع الحديث عن كلفة المشروع وجدوى التنفيذ.
ولذلك لم تعد الحكومة قادرة على حصر الملف في بيان إداري عن بطء مؤقت.
فهناك تكلفة معلنة كبيرة وشكاوى متكررة وحقوق معاشية مؤجلة وطلبات إحاطة برلمانية.
وكل عنصر من هذه العناصر يدفع نحو تحقيق شفاف في التعاقدات وقرارات التشغيل والتدريب والربط الإلكتروني.
وفي النهاية تكشف أزمة التأمينات الاجتماعية الجديدة أن الحكومة أدارت تحولا رقميا يمس ملايين المواطنين بمنطق التجربة على أصحاب الحق.
ولا تستطيع الهيئة أن تطلب من صاحب معاش أن ينتظر استقرار النظام بينما يحتاج دخله اليومي الآن.
والمطلوب ليس بيانا مطمئنا بل إعلان مسؤولية واضحة ونشر تفاصيل الإنفاق ومحاسبة من قرر إيقاف القديم قبل ضمان عمل الجديد.

