تسجل أسعار السلع الغذائية الأساسية في مصر ارتفاعات جديدة تضرب الاستهلاك اليومي مباشرة. وتظهر بيانات الأسواق اليوم الجمعة 24 أبريل 2026 أن السكر والزيوت والدقيق والبقوليات والشاي تتحرك إلى مستويات أعلى. وتكشف هذه الزيادات أن الحكومة لا تملك سياسة ضبط فعالة للأسعار رغم تكرار الحديث الرسمي عن السيطرة على التضخم.
تدفع الأسر محدودة الدخل ثمن هذا الارتفاع بصورة مباشرة لأن السلع التي زادت أسعارها تدخل في الطعام اليومي. ولا يغير تراجع محدود في أسعار البيض من حقيقة أن السوق يتجه نحو كلفة أعلى للغذاء. وتتحول ميزانية البيت المصري إلى اختبار يومي بين شراء الضروريات أو تقليل الكميات.
السكر والزيوت والدقيق في مقدمة الضغط اليومي
في البداية جاءت أسعار السكر في مقدمة الزيادات بعد أن سجل الكيلو نحو 37.75 جنيه بزيادة تتجاوز 10%. ويعني هذا الرقم أن سلعة يومية لا تدخل فقط في الاستهلاك المنزلي بل تدخل أيضا في صناعات غذائية صغيرة أصبحت أكثر كلفة على الأسرة وعلى المنتج المحلي.
وبالتزامن مع ذلك سجل زيت عباد الشمس قرابة 100 جنيه للتر بينما تجاوز زيت الذرة 116 جنيهًا. وتؤكد هذه الأسعار أن الحكومة تترك سلعة أساسية في الطبخ اليومي تحت ضغط السوق وحده. ويظهر أثر ذلك سريعًا في تكلفة الوجبات المنزلية وفي أسعار الطعام الجاهز محدود التكلفة.
ثم جاء الدقيق ضمن السلع التي رفعت الضغط على المواطنين بعد زيادة قاربت 12%. ويصيب هذا الارتفاع سلعة ترتبط بالمخبوزات والمكرونة وبعض بدائل الخبز الحر. ولذلك لا يقف أثر الزيادة عند كيس الدقيق فقط بل يمتد إلى منتجات يومية تعتمد عليها أسر كثيرة لتقليل الإنفاق.
وفي هذا السياق يرى الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن أسعار السلع الاستهلاكية والمنتجات الغذائية لا تنخفض مع وعود السيطرة على السوق بل تواصل الارتفاع. ويجعل هذا الرأي مسؤولية الدولة أوضح لأن الحكومة تتحكم في أجزاء من الإنتاج والتوزيع لكنها تترك التسعير الفعلي بلا حماية كافية للمستهلك.
كما ارتفعت أسعار المكرونة السائبة والبقوليات خاصة الفول الذي سجل زيادات متفاوتة. ويضاعف هذا الارتفاع أثر الغلاء لأن الفول والمكرونة يمثلان بدائل غذائية رئيسية عند الأسر التي لا تستطيع شراء اللحوم والدواجن بشكل منتظم. ولذلك تضيق اختيارات الطعام أمام الفئات الأقل دخلًا.
تراجع البيض لا يغطي اتساع الزيادات
في المقابل تراجعت كرتونة البيض إلى نحو 124 جنيهًا. ويمنح هذا الانخفاض هامشًا محدودًا للأسر لكنه لا يعوض ارتفاع السكر والزيت والدقيق والبقوليات. وتظل قيمة التراجع أقل من أن تغير اتجاه الإنفاق الغذائي لأن السلع المرتفعة تشغل مساحة أكبر داخل ميزانية الأسرة.
وبسبب هذا التباين تظهر السوق كأنها تقدم انخفاضًا في سلعة واحدة مقابل زيادات واسعة في سلع أكثر استخدامًا. ولا يستطيع المواطن أن يعتبر تراجع البيض تحسنًا حقيقيًا عندما يدفع أسعارًا أعلى في الزيت والسكر والدقيق والشاي والفول والمكرونة خلال اليوم نفسه.
وفي الاتجاه نفسه استقرت أسعار الأرز نسبيًا مع تراجع طفيف. غير أن هذا الاستقرار لا يكفي لإعادة التوازن إلى تكلفة الغذاء لأن الأسرة لا تستهلك الأرز بمعزل عن الزيت والبقوليات ومكونات الوجبة الأخرى. ولذلك تبقى فاتورة الطعام مرتفعة حتى مع هبوط محدود في بعض البنود.
كما سجل الشاي زيادات كبيرة تجاوزت 17%. ويمثل هذا الارتفاع مثالًا إضافيًا على تمدد الغلاء إلى سلع يستهلكها المصريون يوميًا. ولا يمكن عزل هذا التحرك عن ضعف الرقابة على حلقات التداول وتكلفة النقل والتخزين التي تنعكس مباشرة على السعر النهائي.
وفي هذا الإطار توضح الدكتورة عالية المهدي أن انخفاض معدل التضخم لا يعني انخفاض الأسعار نفسها. وتفيد هذه الرؤية في قراءة المشهد الحالي لأن الأسعار تتحرك فوق مستويات مرتفعة سابقة. ولذلك يشعر المواطن بالغلاء حتى عندما تعرض الحكومة أرقامًا رسمية تحاول إظهار تحسن نسبي.
الدخل الثابت يواجه غذاء أغلى وخاتمة الحساب على المواطن
نتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة. وتظهر المشكلة بوضوح عند الأسر التي تعتمد على رواتب ثابتة أو دخول غير منتظمة. فكل زيادة في السكر أو الزيت أو الدقيق تخصم جزءًا مباشرًا من الإنفاق على العلاج والتعليم والمواصلات وسداد الالتزامات الشهرية.
ومع استمرار هذه الضغوط تضطر أسر كثيرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها. وتقلل بعض الأسر الكميات التي تشتريها من السلع الأساسية. وتستبدل أسر أخرى منتجات أقل جودة بما كانت تشتريه سابقًا. ويحدث هذا التكيف القسري لأن الدخل لا يتحرك بالسرعة نفسها التي تتحرك بها الأسعار.
كما يؤكد الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني أن العلاوات والدخول يجب أن ترتبط بمعدلات التضخم وارتفاع أسعار الطعام والاحتياجات الأساسية. ويكشف هذا الطرح قصور السياسات الحكومية لأن الدعم النقدي والأجور لا يواكبان الزيادات التي تضرب الغذاء والطاقة والنقل والخدمات الأساسية.
وعلى مستوى المؤشرات الرسمية أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن قسم الطعام والمشروبات سجل ارتفاعًا قدره 6.2% في مارس 2026. ويضع هذا الرقم تحركات اليوم داخل مسار أوسع من زيادة تكلفة الغذاء. ولذلك لا تبدو أسعار أبريل حادثًا منفصلًا عن سياق تضخمي مستمر.
وفي الوقت نفسه أعلن البنك المركزي المصري أن التضخم العام للحضر سجل 15.2% في مارس 2026 مقابل 13.4% في فبراير 2026. ويؤكد هذا الصعود أن الحديث الحكومي عن تحسن الأحوال لا ينعكس في أسعار الرفوف ولا يغير حسابات الأسر عند شراء الطعام.
لذلك تتحمل الحكومة مسؤولية سياسية واقتصادية واضحة عن ترك السلع الأساسية تتحول إلى مصدر استنزاف يومي للمواطن. ولا تكفي بيانات المتابعة ولا التصريحات عن توافر السلع عندما يدفع المواطن سعرًا أعلى كل أسبوع. وتحتاج السوق إلى رقابة فعلية وتسعير عادل وحماية مباشرة للدخل الضعيف.
وفي الخلاصة تكشف أسعار اليوم أن الغذاء لم يعد ملفًا رقميًا في نشرات الأسعار فقط. فقد أصبح السكر والزيت والدقيق والفول والشاي معيارًا يوميًا لقدرة الأسرة على الصمود. وإذا واصلت الحكومة إدارة الأزمة بالتصريحات وحدها فسوف يدفع المواطن ثمنًا أكبر من دخله وصحته واستقراره.

