أعادت لجنة الدفاع عن سجناء الرأي ملف المعتقلين السياسيين إلى الواجهة بعدما التقى وفد من الشخصيات العامة ورؤساء الأحزاب وعدد من المحامين بالمحامي العام الأول في مكتب النائب العام المستشار محمد شوقي وقدم مذكرة جديدة تطالب بالإفراج عن جميع سجناء الرأي وتبييض السجون منهم بشكل كامل، في خطوة تؤكد أن الأزمة لم تعد تخص حالات فردية متفرقة بل تخص نمطًا ممتدًا من الحبس على ذمة قضايا سياسية طال أمدها وتجاوز في حالات عديدة الحد القانوني للحبس الاحتياطي.
بينما تواصل السلطة إدارة الملف بمنطق الإفراجات المحدودة التي تخفف الضغط ولا تنهي أصل المشكلة وهو ما يجعل كل تحرك مدني جديد شهادة إضافية على أن الدولة تعرف حجم الأزمة لكنها تختار إطالة بقائها داخل السجون بدلًا من تصفيتها القانونية والحقوقية بصورة شاملة.
جاء هذا التحرك بعد أسابيع شهدت قرارات بإخلاء سبيل العشرات من المحبوسين احتياطيًا على ذمة قضايا رأي وهو ما رحبت به اللجنة واعتبرته خطوة إيجابية تستحق البناء عليها غير أن هذا الترحيب نفسه كشف حدود ما تفعله النيابة وأجهزة الدولة لأن الإفراج عن دفعات صغيرة لا يبدل حقيقة أكثر قسوة وهي بقاء ملف الحبس السياسي مفتوحًا على نحو واسع ومزمن بما يفرض على الأسر والقوى المدنية إعادة تقديم المذكرات وملاحقة النيابة بالمطالب ذاتها مرة بعد أخرى منذ يناير وحتى إبريل في مشهد يثبت أن السلطة لا تتحرك من منطلق التزام ثابت بالقانون بل تحت ضغط متجدد من الحقوقيين والأحزاب وأسر المحتجزين الذين يطلبون الحد الأدنى وهو تنفيذ القانون وإنهاء الحبس المطول في القضايا السياسية.
إخلاءات محدودة لا تنهي أصل الأزمة
وفي هذا السياق ثمّنت لجنة الدفاع عن سجناء الرأي القرارات الأخيرة بإخلاء سبيل العشرات من المحبوسين احتياطيًا خلال الفترة الماضية واعتبرتها خطوة إيجابية لكنها شددت في الوقت نفسه على أن المطلوب ليس مجرد دفعات متفرقة بل تبييض السجون من سجناء الرأي بصورة كاملة بما يعزز الحقوق والحريات ويرسخ سيادة القانون وهي صياغة تعكس أن الإفراجات الأخيرة بقيت أقل كثيرًا من مستوى الأزمة القائم.
كما دعمت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية هذا المعنى حين قالت في بيان صدر يوم 20 إبريل 2026 إن نيابة أمن الدولة العليا أصدرت خلال إبريل الجاري قرارات بإخلاء سبيل 92 شخصًا على الأقل كانوا محبوسين احتياطيًا على ذمة قضايا سياسية مختلفة يواجهون فيها اتهامات بالإرهاب مع مطالبة واضحة بأن تتحول هذه القرارات إلى مراجعة أشمل ومستمرة لا إلى استثناء مؤقت.
ثم يوضح المحامي الحقوقي نجاد البرعي أن جوهر الأزمة لا يقف عند مسألة الرغبة في الإفراج بل يرتبط ببنية قانونية وسياسية سمحت بتمديد الحبس الاحتياطي سنوات طويلة ثم أعادت إنتاج المشكلة رغم الحديث السابق عن توصيات لتقليص المدد وتعديل القواعد الناظمة له وهو ما يجعل الإفراجات الجزئية علامة على ضغط الواقع أكثر مما يجعلها تعبيرًا عن تحول حقيقي في نهج الدولة.
وبالتالي تكشف الوقائع أن الحكومة تتعامل مع الملف بطريقة انتقائية لأن النيابة لم تعلن حتى الآن خطة زمنية معلنة لمراجعة جميع المحبوسين في القضايا السياسية ولم تقدم للرأي العام كشفًا شاملًا بأعداد من تجاوزوا الحدود القانونية للحبس الاحتياطي وهو ما يبقي المجال مفتوحًا لمزيد من الغموض ويجعل كل قرار إفراج محدودًا وقابلًا للاستهلاك السياسي من دون حل جذري.
لجنة مدنية توسعت لأن مؤسسات الدولة لم تعالج الملف
وفي هذا الإطار تعود جذور لجنة الدفاع عن سجناء الرأي إلى مبادرة أطلقتها مجموعة من الأحزاب والحركات السياسية وأكثر من 50 شخصية عامة وأسر معتقلين في نوفمبر الماضي تحت شعار مصر بلا سجناء رأي بهدف توحيد الجهود المدنية والقانونية للإفراج عن المسجونين على خلفية قضايا تتصل بحرية التعبير والعمل العام وهو تأسيس يوضح أن المجتمع المدني اضطر لملء فراغ تركته الدولة.
كما قدمت اللجنة في منتصف يناير الماضي مذكرة إلى النائب العام تطالب بالإفراج الفوري عن جميع سجناء الرأي الذين تجاوزت مدة حبسهم الاحتياطي الحد الأقصى المنصوص عليه قانونًا وهو ما يعني أن المطلب الحالي ليس جديدًا بل امتداد مباشر لتحرك سابق استند إلى نصوص قانونية واضحة ولم يجد استجابة شاملة حتى الآن رغم مرور أشهر على تقديمه.
ثم يعزز حسام بهجت مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية هذا المسار حين يعيد إلى الواجهة توثيق الانتهاكات المرتبطة بالحبس المطول ويؤكد من موقعه الحقوقي أن المشكلة لم تعد تتعلق بوقائع منعزلة بل بمنطق ممتد يجعل المجال العام خاضعًا للرسائل الأمنية أكثر من خضوعه لضمانات القانون وهو توصيف يفسر لماذا لا تكفي قرارات متفرقة لإنهاء الملف.
ولذلك يصبح ظهور لجنة مدنية واسعة تضم شخصيات عامة ورؤساء أحزاب ومحامين وأسر محتجزين دليلًا مباشرًا على أن مؤسسات الدولة أخفقت في معالجة الملف من داخلها لأن النظام لو كان جادًا في إعمال القانون لما احتاجت الأسر والقوى السياسية إلى تكرار المذكرات واللقاءات والضغط العلني من أجل حق يفترض أن يكون واجب التطبيق بمجرد تجاوز الحد الأقصى للحبس الاحتياطي.
التطبيق الشامل للقانون هو الاختبار الحقيقي لا البيانات الرسمية
وفي السياق نفسه طالبت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية نيابة أمن الدولة العليا بالتطبيق العاجل والشامل لتوجيهات النائب العام بمراجعة موقف جميع المحبوسين وهو ما يستلزم إصدار قرارات مماثلة بحق مجموعات أكبر وبشكل دوري تمهيدًا لتصفية كاملة لملف المحبوسين في القضايا السياسية وهي صياغة تؤكد أن المراجعات القائمة ما زالت قاصرة عن بلوغ الحد المطلوب قانونيًا وحقوقيًا.
كما يدعم المحامي الحقوقي أحمد راغب هذا الاتجاه من موقعه المعروف في العمل الحقوقي والحوار العام إذ يربط أي معالجة جدية لملف الحبس الاحتياطي بضرورة إخضاع النصوص والإجراءات لمراجعة حقيقية تمنع تحول الحبس إلى عقوبة ممتدة قبل صدور الأحكام وهو موقف يتسق مع الاعتراضات المستمرة على بقاء آلاف القضايا السياسية في دائرة التجديد بدل الحسم القانوني.
ثم يبرز اسم المستشار محمد شوقي بوصفه النائب العام الحالي الذي تسلمت مؤسسته مذكرة اللجنة الجديدة ما يجعل المسؤولية اليوم محددة وليست غامضة لأن مكتب النائب العام بات أمامه طلب واضح وصريح بالإفراج الكامل عن سجناء الرأي وأمامه أيضًا بيانات حقوقية موثقة عن أعداد من أخلي سبيلهم وعن الحاجة إلى مراجعات أوسع وهو ما ينقل الملف من دائرة المناشدة إلى دائرة الاختبار المباشر للإرادة القانونية.
وبعد ذلك لا يعود مقبولًا أن تظل الحكومة تقدم الإفراج عن عشرات الأشخاص باعتباره إنجازًا بينما يبقى أصل النظام الذي أنتج الحبس السياسي قائمًا لأن الحقوق لا تستعاد بالدفعات الصغيرة ولا بالبيانات المقتضبة وإنما بقرار واضح يوقف استخدام الحبس الاحتياطي كأداة لإدارة المجال العام ويعيد الاعتبار لسيادة القانون التي ترفعها الدولة في خطابها ثم تعطلها في التطبيق.
وفي الخاتمة يثبت تجدد مطالبة لجنة الدفاع عن سجناء الرأي بتبييض السجون أن المشكلة لم تعد في نقص النداءات ولا في غياب المذكرات بل في إصرار السلطة على إدارة ملف المعتقلين السياسيين بالبطء نفسه الذي راكم المأساة وأن أي حديث رسمي عن انفراجة يبقى فاقدًا للمعنى ما دامت السجون لم تفرغ من سجناء الرأي وما دام القانون يظل مؤجلًا كلما تعلق الأمر بخصوم النظام ومعارضيه.

