تمثل الرسالة التي وجهها رئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي من داخل سجن المرناقية بعد مرور 3 سنوات على توقيفه، تطورا سياسيا لافتا في لحظة تتزايد فيها الأسئلة حول مستقبل المشهد التونسي، وحدود المأزق الذي وصلت إليه البلاد في ظل استمرار الاعتقالات والمحاكمات بحق شخصيات معارضة بارزة.
فالرسالة لم تقتصر على الدفاع عن موقف شخصي أو الرد على الأحكام الصادرة بحقه، بل حملت دعوة سياسية واضحة إلى حوار وطني “لا يستثني أحدا”، باعتباره المدخل الوحيد لمعالجة أزمات تونس المتراكمة، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. وتأتي هذه الدعوة في وقت تعيش فيه البلاد حالة من الاستقطاب الحاد، وسط تمسك السلطة بخطاب يؤكد استقلال القضاء، مقابل اتهامات متصاعدة من المعارضة ومنظمات حقوقية بأن المسار القائم بات يوظف القضاء في تصفية الخصوم وتقييد المجال العام.
وتكشف رسالة الغنوشي عن محاولة لإعادة صياغة النقاش العام في تونس من زاوية أوسع من حدود قضيته الشخصية، إذ يربط بين فكرة “الدولة الاجتماعية” وبين شرطها السياسي المتمثل في الديمقراطية والتعددية وقبول الاختلاف. وهذا الربط يعكس إدراكا بأن الأزمة التونسية لم تعد مجرد نزاع قانوني بين السلطة ومعارضيها، بل تحولت إلى أزمة بنية سياسية ومؤسساتية،
يتداخل فيها غياب التوافق مع تراجع الضمانات السياسية والقضائية. كما أن صدور حكم جديد بالسجن 20 عاما في قضية “المسامرة الرمضانية”، بعد سلسلة من الأحكام السابقة في قضايا مختلفة، يعزز الانطباع بأن الصراع في تونس دخل مرحلة أكثر حدة، تتراجع فيها فرص التسوية لصالح منطق الإقصاء والمواجهة المفتوحة، وهو ما يجعل دعوة الحوار التي أطلقها الغنوشي موضع اهتمام يتجاوز شخصه إلى مستقبل الحياة السياسية في البلاد.
رسالة من السجن تعيد طرح سؤال الحوار الوطني
حملت الرسالة التي كتبها راشد الغنوشي من محبسه دلالات سياسية تتجاوز بعدها الإنساني والشخصي، لأنها أعادت طرح سؤال الحوار الوطني في لحظة تبدو فيها الساحة التونسية شديدة الانغلاق. فالغنوشي لم يتحدث فقط عن مظلوميته القانونية أو ظروف محاكمته، بل قدم تصورا سياسيا يعتبر أن تونس لا يمكن أن تخرج من أزماتها المتعددة إلا عبر حوار شامل لا يقصي أي طرف، بما يعني ضمنيا رفض المسار الذي يقوم على استبعاد قوى سياسية بعينها من المجال العام.
وتكتسب هذه الدعوة أهميتها من كونها تصدر عن رئيس برلمان سابق وزعيم أحد أكبر الأحزاب التي شكلت جزءا رئيسيا من مرحلة ما بعد الثورة التونسية. فالغنوشي، رغم وجوده في السجن وصدور أحكام متعددة ضده، يحاول أن يثبت أن موقعه لا يزال سياسيا وأن معركته ليست قضائية فقط، بل تتعلق بطبيعة النظام العام في البلاد، وبإمكانية استعادة صيغة التوافق التي حكمت تونس في مراحل سابقة، قبل أن تنقلب المعادلات لصالح الحكم الفردي وتركيز السلطات.
كما أن حديثه عن أن “الاحتراب الأهلي بديل التنوع والتحاور” يعكس محاولة لاستعادة خطابه الأصلي الذي يقول إنه دفع ثمنه بالسجن. فالرجل يصر على أن ما قُدم باعتباره “تآمرا” لم يكن سوى تحذير من مخاطر الإقصاء السياسي، وهو بذلك يوجه رسالة مزدوجة: الأولى إلى السلطة، بأن إغلاق المجال السياسي قد يقود إلى مزيد من التوتر والانقسام، والثانية إلى الرأي العام، بأن الحوار ما زال ممكنا وضروريا رغم كل ما حدث خلال السنوات الثلاث الماضية.
الأحكام المتلاحقة تكشف عمق الصراع بين السلطة والمعارضة
لا يمكن فصل رسالة الغنوشي عن السياق القضائي والسياسي الذي يحيط بها، خاصة بعد صدور حكم بالسجن 20 عاما في القضية المعروفة إعلاميا بـ”المسامرة الرمضانية”، إلى جانب أحكام أخرى صدرت خلال الأشهر الماضية في ملفات مختلفة. فالقضية لم تعد مرتبطة بملف واحد أو بتصريح بعينه، بل أصبحت جزءا من سلسلة ممتدة من الملاحقات التي تطال رموزا من المعارضة، في مشهد يؤكد أن الصدام بين السلطة وخصومها لم يعد ظرفيا، بل صار سمة ملازمة للمرحلة الراهنة في تونس.
وتشير الوقائع الواردة في هذا المسار إلى أن الغنوشي يواجه أكثر من قضية، من بينها “التآمر على أمن الدولة 2” و”التمويل الأجنبي” وقضية التبرع بقيمة جائزة دولية لجمعية الهلال الأحمر، وهو ما يعكس توسع دائرة الاتهامات وتعدد المسارات القضائية المفتوحة ضده. وفي المقابل، يتمسك الرجل بموقف مقاطعة القضاء تحقيقا ومحاكمة، معتبرا أن الضمانات القانونية والإجرائية غير متوفرة، وأن ما يجري لا يمكن النظر إليه باعتباره قضاء عاديا مستقلا.
هذا التباين بين رواية السلطة ورواية المعارضة يعكس جوهر الأزمة التونسية الحالية. فالسلطات تصر على أن كل الموقوفين يحاكمون في إطار قضايا جنائية تتعلق بالتآمر أو الفساد أو مخالفات قانونية، وتنفي وجود معتقلين سياسيين. لكن المعارضة، ومعها منظمات حقوقية، ترى أن هذه الملفات تحمل طابعا سياسيا واضحا، وأنها تستخدم لإضعاف الخصوم وإبعاد الأصوات المنتقدة للرئيس قيس سعيد. وبين الروايتين، تبدو تونس أمام مشهد تتراجع فيه الثقة في المؤسسات، ويتعاظم فيه الشعور بأن القضاء نفسه أصبح جزءا من الصراع السياسي، لا ساحة محايدة للفصل فيه.
تونس بين انسداد الحاضر واحتمالات التسوية المؤجلة
تكشف قضية الغنوشي في بعدها الأوسع عن أزمة بنيوية تعيشها تونس منذ سنوات، حيث يتقاطع التعثر السياسي مع الاختناق الاقتصادي والاجتماعي، في ظل غياب أفق جامع يمكن أن يخفف من التوتر ويعيد بناء الثقة بين مكونات المشهد العام. فالدعوة إلى حوار شامل ليست مجرد شعار سياسي متكرر، بل تعبر عن حاجة فعلية إلى آلية تعيد الاعتراف بالتعددية، وتفتح الباب أمام مقاربة وطنية تتجاوز منطق الغلبة والإقصاء.
وتزداد أهمية هذا الطرح لأن البلاد لا تواجه فقط انقساما سياسيا، بل تعاني أيضا من ضغوط معيشية ومؤسساتية تجعل استمرار التوتر مكلفا على الدولة والمجتمع معا. ولذلك فإن الربط الذي قدمه الغنوشي بين “الدولة الاجتماعية” وبين “حليفتها السياسية الديمقراطية” يحمل رسالة مفادها أن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق في فراغ سياسي، وأن أي مشروع لإنقاذ الاقتصاد أو تخفيف الاحتقان الاجتماعي يظل ناقصا إذا لم يصاحبه انفتاح سياسي وضمانات للحريات والتنافس السلمي.
لكن في المقابل، لا تبدو مؤشرات التسوية قريبة في المدى المنظور. فالمشهد الحالي يوحي بأن السلطة ماضية في تثبيت مقاربتها الأمنية والقضائية، بينما تبدو المعارضة مشتتة نسبيا رغم اتفاقها على توصيف المرحلة باعتبارها مرحلة تضييق ممنهج. وهذا يعني أن دعوة الحوار، رغم أهميتها الرمزية والسياسية، ما تزال تصطدم بواقع شديد الصلابة، تضع فيه موازين القوة الحالية سقفا منخفضا لاحتمالات الانفراج.
ومع ذلك، فإن الرسالة الصادرة من داخل السجن تبقى مؤشرا على أن المعركة في تونس لم تُحسم بالكامل، وأن المجال السياسي، مهما ضاق، لا يزال ينتج خطابا بديلا يدعو إلى التوافق بدل الإقصاء. ومن هنا، فإن أهمية ما قاله الغنوشي لا تكمن فقط في مضمونه المباشر، بل في كونه يعيد التذكير بأن أي استقرار طويل الأمد في تونس لن يكون ممكنا عبر الأحكام والسجون وحدها، بل عبر تسوية سياسية تعترف بالجميع وتعيد بناء الحياة العامة على قاعدة الشراكة لا الاستبعاد.

