دخلت الحرب في السودان عامها الرابع بينما تتسع رقعة الاستهداف المباشر للمدنيين في دارفور وكردفان، وتزداد الضربات الجوية بالطائرات المسيّرة في مناطق مأهولة وأسواق وتجمعات مدنية، في وقت تصف فيه الأمم المتحدة الأزمة السودانية بأنها من بين الأسوأ في العالم. هذا التصاعد لا يعكس فقط تعثر المسار العسكري، بل يكشف أيضًا انتقال القتال إلى مستوى أكثر كلفة على السكان، مع تآكل الخدمات الأساسية وتزايد العجز الإنساني وتراجع التمويل الدولي المخصص للإغاثة.
وتشير الوقائع الميدانية خلال أبريل إلى أن دارفور عادت إلى صدارة المشهد الدموي، بعدما وثقت منظمات دولية ووسائل إعلام هجمات بطائرات مسيّرة على أحياء وأسواق وتجمعات اجتماعية. كما أكد متحدث الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك أن استهداف المدنيين والأعيان المدنية بواسطة المسيّرات أمر غير مقبول، في إشارة تعكس حجم القلق الأممي من نمط العمليات المتكرر، لا من حادث منفرد معزول.
غارات دارفور توسع دائرة الاستهداف المدني
سجلت مدينة الضعين في شرق دارفور واحدة من أبرز موجات القصف الأخيرة، إذ قالت منظمة أطباء بلا حدود إنها أحصت قتيلين وعالجت 56 مصابًا بعد خمس هجمات بطائرات مسيّرة نسبتْها إلى القوات المسلحة السودانية في الإقليم. وأوضحت المنظمة أن بعض الضربات أصاب مناطق مدنية، ما زاد المخاوف من تحوّل المدن البعيدة عن خطوط الاشتباك المباشر إلى أهداف مفتوحة للهجمات الجوية.
وامتدت الضربات نفسها إلى مواقع أخرى في دارفور، حيث أفادت تقارير ميدانية منشورة في أبريل بسقوط قتلى ووقوع دمار واسع في أكثر من مدينة وبلدة، مع استهداف طرق إمداد ومناطق مأهولة في الوقت ذاته. ورغم صعوبة التحقق المستقل من جميع الحصائل في ظل تعذر الوصول إلى مناطق واسعة، فإن تكرار الضربات واتساع نطاقها يثبتان أن الخطر لم يعد محصورًا في جبهات القتال التقليدية.
وفي شمال دارفور، هزت ضربة على حفل زفاف في كتم الرأي العام بعدما أعلنت الأمم المتحدة مقتل ما لا يقل عن 30 مدنيًا، بينهم نساء وأطفال. ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤولين أمميين أن الهجوم وقع بطائرة مسيّرة واستهدف تجمعًا مدنيًا واضحًا، فيما قال دوجاريك إن مثل هذه الهجمات تمثل انتهاكًا غير مقبول لقواعد حماية المدنيين أثناء النزاع.
وتعزز هذه الحوادث صورة أشمل ترسمها التقارير الأممية والحقوقية عن دارفور، إذ لم يعد الاستهداف يقتصر على مناطق الاشتباك المسلح، بل طال الأسواق والأحياء والتجمعات الاجتماعية، وهي أماكن يفترض أن تبقى خارج دائرة النار. ولهذا يرى مراقبون أن استخدام المسيّرات بهذه الكثافة في دارفور يضاعف الخسائر البشرية، لأن السكان غالبًا لا يملكون إنذارًا مبكرًا ولا ملاجئ ولا منظومة إسعاف قادرة على التعامل السريع مع الضربات.
كردفان بين ضربات المسيّرات وتدمير الخدمات الأساسية
انتقل هذا النمط من الهجمات كذلك إلى إقليم كردفان، حيث قالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في فبراير إن ضربات المسيّرات على المدنيين استمرت في الإقليم وأدت خلال أيام قليلة إلى مقتل أكثر من 90 مدنيًا وإصابة 142 آخرين. كما أفادت التقارير نفسها بأن الهجمات طالت مرافق صحية وشاحنات مساعدات، بما يؤكد أن البنية الإنسانية الأساسية أصبحت جزءًا من ساحة الاستهداف لا مجرد ضحية جانبية للحرب.
وفي شمال كردفان، وثقت رويترز في يناير تصاعد الضربات حول الأبيض وفي محيطها، مع شهادات عن قصف منازل ومدنيين فروا أصلًا من قراهم. وأظهرت الشهادات التي جمعتها الوكالة أن بعض التجمعات المدنية تعرضت للقصف بعد مرور مركبات عسكرية أو في ظل الاشتباه بوجود عناصر مسلحة قربها، وهو ما جعل المدنيين يدفعون ثمنًا مباشرًا لحرب تتقدم فوق مناطقهم السكنية.
كما أن استهداف البنية الخدمية في كردفان يفاقم الكارثة بوتيرة أسرع من القتل المباشر، لأن ضرب المراكز الصحية أو تعطيل طرق الإغاثة أو إصابة شاحنات المساعدات يقطع على السكان فرص البقاء حتى لو نجوا من القصف الأول. ومن هنا تبدو الأزمة في كردفان مركبة، إذ يجتمع الخوف من الهجمات الجوية مع انهيار العلاج والغذاء والمياه، وهو ما يسرع النزوح ويُفرغ البلدات من سكانها تدريجيًا.
النزوح يتضخم بينما يتراجع الاهتمام الدولي
أمام هذا المشهد، تتسع حركة النزوح إلى مستويات غير مسبوقة. ووفق بيانات منصة الاستجابة الإقليمية التابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بلغ إجمالي من أجبروا على الفرار داخل السودان وخارجه 11,597,588 شخصًا حتى 10 أبريل 2026، بينهم 4,500,936 عبروا الحدود إلى دول الجوار. هذه الأرقام تعني أن الحرب لم تعد تنتج موجات نزوح مؤقتة، بل تعيد تشكيل الخريطة السكانية في مناطق كاملة.
وتواكب هذه الأرقام تحذيرات دولية من أن السودان مرشح لتسجيل مزيد من التهجير خلال الشهور المقبلة إذا استمر تراجع تمويل الإغاثة. فقد قالت وكالة رويترز نقلًا عن المجلس الدنماركي للاجئين إن السودان قد يشهد أكبر زيادة جديدة في النزوح بين الدول التي شملتها التقديرات، مع توقع مئات الآلاف من حالات النزوح الإضافية، بينما تواجه وكالات الإغاثة خطر تقليص خدمات الماء والغذاء في دول الاستقبال أيضًا.
ويكشف هذا التدهور أن الأزمة السودانية لم تعد مجرد حرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل صارت أزمة دولة ومجتمع وخدمات ونجاة يومية. كما أن استمرار القصف على التجمعات المدنية وتنامي استخدام المسيّرات يضغطان على الأسر الفارة مرتين، مرة حين تتعرض للقصف، ومرة حين تصل إلى مناطق لا تتوافر فيها الرعاية أو الغذاء أو الحماية الكافية.
وفي المحصلة، فإن الوقائع الموثقة في دارفور وكردفان خلال الأشهر الأخيرة تشير إلى أن المدنيين باتوا في قلب الاستهداف، سواء عبر الضربات المباشرة أو عبر تدمير المرافق التي تحفظ الحد الأدنى من الحياة. وبينما تتراكم أرقام القتلى والجرحى والنازحين، يبقى العجز الدولي عن فرض حماية فعلية أو وقف دائم لإطلاق النار عاملًا إضافيًا في إطالة أمد الكارثة، وفتح الباب أمام مزيد من الانهيار الإنساني في بلد أنهكته الحرب حتى العظم.

