دخلت صناعة السينما في مصر مرحلة ارتباك واضحة بعد بدء تنفيذ قرار حكومي بفرض الإغلاق المبكر على دور العرض ضمن إجراءات ترشيد استهلاك الكهرباء. وجاء القرار في توقيت شديد الحساسية، لأن موسم عيد الفطر يمثل عادة الذروة التجارية الأهم للصالات والمنتجين والموزعين، وهو ما جعل القطاع يتعامل مع الإجراء باعتباره تهديدًا مباشرًا لإيرادات شباك التذاكر لا مجرد تعديل إداري عابر.
تقليص الحفلات يضرب القلب التجاري للصالات
أوضحت المواعيد الجديدة أن التطبيق بدأ السبت 28 مارس، مع إلزام الأنشطة الخاضعة للقانون بالإغلاق عند التاسعة مساء، بينما تمتد بعض الأنشطة يومي الخميس والجمعة ساعة إضافية. وبالنسبة إلى السينمات، أعادت هذه المواعيد رسم خريطة العروض اليومية، بعدما صارت الحفلات المسائية المتأخرة مهددة بالإلغاء أو الضغط الزمني، وهو ما أصاب الحلقة الأهم في الدورة المالية للسوق.
ولفتت ترتيبات التشغيل الجديدة إلى أن آخر الحفلات في الأيام العادية تتحرك إلى توقيت مبكر، فيما تُضغط عروض نهاية الأسبوع داخل هامش زمني أضيق. ويعني ذلك عمليًا حذف جزء معتبر من الحفلات اليومية، خاصة حفلات السهرة التي تقوم عليها الكثافة الجماهيرية الحقيقية، في وقت يعرف فيه العاملون بالقطاع أن العروض الصباحية لا تعوض هذا الفقد على مستوى الإقبال أو الإيراد.
وفي هذا السياق، وصف المخرج أمير رمسيس القرار بأنه ضربة لصناعة تتعرض أصلًا لضغط مستمر، وقال إن إلغاء حفلة التاسعة يسبب كارثة، لأنها الحفلة الأكثر رواجًا في السوق. واكتسب هذا الموقف دلالة إضافية لأن رمسيس ربط القرار مباشرة بمناخ أوسع من الرسوم والضرائب، ما يعني أن الأزمة الجديدة لا تبدأ من الكهرباء وحدها بل تضرب صناعة تعاني أصلًا.
موسم قوي يواجه خسارة فورية بعد انتعاشة سريعة
يبين مسار الإيرادات قبل القرار أن السينما المصرية كانت قد دخلت موسم عيد الفطر بحالة انتعاش واضحة، إذ سجلت الأفلام المعروضة في يوم 25 مارس وحده ما يقارب ستة ملايين جنيه، بينما تجاوز فيلم "برشامة" وحده 89 مليون جنيه في أسبوع واحد منذ طرحه يوم 19 مارس. وتؤكد هذه الأرقام أن القرار جاء في لحظة صعود فعلي لا في لحظة ركود.
وأكدت خريطة الموسم أن المنافسة كانت قائمة بين "برشامة" و"إيجي بيست" و"فاميلي بيزنس"، قبل أن ينضم "اعترافات سفاح التجمع" وسط أزمة رقابية أدت إلى سحبه مؤقتًا ثم إعادة طرحه. وبذلك كان السوق يعمل بالفعل على توسيع قاعدة العروض والاستفادة من الزخم الجماهيري، لكن تقليص عدد الحفلات اليومية هدد هذه الطفرة قبل أن تتحول إلى حصيلة مستقرة للمنتجين ودور العرض.
وفي موازاة ذلك، رأى الناقد طارق الشناوي أن الجدل قد يرفع الإقبال مؤقتًا في الأيام الأولى، لكنه لا يضمن نجاحًا مستمرًا إذا غابت الجودة أو تعطلت دورة العرض الطبيعية. وتكتسب هذه الملاحظة وزنها هنا لأن السوق كان يستفيد بالفعل من الجدل المصاحب لبعض الأفلام، غير أن تقليص الحفلات يقطع هذا الزخم مبكرًا ويمنع تحويل الفضول الجماهيري إلى إيراد متراكم.
الأزمة تمتد من الخسارة اليومية إلى تعطيل السوق كلها
أشار العاملون في القطاع إلى أن الخسارة لا تقف عند تراجع الدخل اليومي، لأن دور العرض تعتمد أساسًا على كثافة الحفلات المسائية في تعويض ساعات الصباح الضعيفة. ولهذا تبدو التقديرات التي تتحدث عن هبوط كبير في الإيرادات منطقية داخل بنية التشغيل نفسها، خاصة أن الحفلات المتأخرة ليست هامشًا إضافيًا، بل تمثل العمود التجاري الذي يحدد قدرة السوق على الاستمرار.
وفي ظل هذا المسار، قال المخرج مجدي أحمد علي إن القرار يشبه قرارات حظر التجوال من حيث أثره العملي على الصناعة، محذرًا من استمراره لفترة طويلة. وأضاف أن السينما النهارية في القاهرة والإسكندرية لا تلقى قبولًا واسعًا، لذلك فإن نقل العبء إلى ساعات الصباح لا يحل الأزمة، بل يبدل حفلات ضعيفة الإقبال بحفلات مسائية كانت تحقق نسبة إشغال أفضل.
ويبين هذا التحذير أن الأزمة مرشحة للامتداد إلى ما بعد عيد الفطر، لأن المنتج الذي يرى عدد الحفلات يتراجع سيعيد حسابات طرح فيلمه المقبل، كما أن الموزع الذي يواجه صالات أقل تشغيلًا سيصبح أكثر تحفظًا في إدارة النسخ ومواعيد الإطلاق. وبهذا المعنى، يتحول القرار من خصم مباشر من الإيراد الحالي إلى عامل ضغط على خطط الإنتاج والطرح والاستثمار في الأسابيع التالية.
وفي هذا الإطار، أشار الناقد أندرو محسن إلى أهمية الإيرادات اليومية بوصفها سجلًا يوثق ما تحققه الأفلام فعلًا في شباك التذاكر، وانتقد غياب إعلان منتظم ومحايد من غرفة صناعة السينما. وتزداد أهمية هذه الملاحظة الآن لأن السوق يدخل أزمة تشغيلية حادة، بينما لا تزال آلية إعلان الأرقام نفسها محل جدل، وهو ما يعقّد تقدير الخسائر الفعلية ويترك الصناعة من دون مرجعية دقيقة وموحدة.
واختتمت التطورات الجارية مشهدًا مقلقًا لقطاع يقوم أصلًا على كثافة العروض وسرعة دوران الإيراد، فإذا خُفض عدد الحفلات في ذروة الموسم، تراجعت قدرة السوق على تمويل نفسه من الداخل. ولذلك لا يبدو قرار الإغلاق المبكر إجراءً محايدًا في نظر السينما المصرية، بل خطوة تضرب موسمًا رابحًا، وتفتح الباب أمام تباطؤ الإنتاج، وتأجيل الطرح، ودخول واحدة من أهم الصناعات الثقافية في مصر مرحلة حذر وخسارة.

