صلاح الدين الجورشي
محلل سياسي وإعلامي، مدير مكتب العربي الجديد في تونس
بقطع النظر عن الأسباب التي دفعت الحكومة المصرية إلى طرح مشروع قانون خاص بالأسرة في هذا التوقيت، وبهذه الصيغة تحديدًا، الأكيد أن هذا القرار تأخّر كثيرًا؛ فمصر بتاريخها وموقعها لا تزال فيها الأحوال الشخصية تعاني من نقائص فادحة، أضرّت بحقوق المرأة وباستقرار الأسرة وسعادتها، وبقيت في حاجة لمراجعاتٍ جريئة وجذرية.
كانت تونس ومصر كفرسي رهان منذ أكثر من قرن ونصف على الأقل. كلما أقدمت إحداهما على خطوة في اتجاه الإصلاح والتحديث سعت الأخرى نحو خطوة تشبهها أو تتميز عنها في التعليم أو السياسة أو التجديد الديني. ولا تُنسى زيارتا الشيخ المصلح محمد عبده تونس، في سنتي 1883 و1903، وخلالهما وطّد الشيخ علاقاته بأبرز رموز الإصلاح هناك. وعندما أصدر قاسم أمين كتابه الشهير "المرأة الجديدة" في سنة 1900، كانت تونس تعيش حراكًا تجديديًا عبّر عنه الزيتوني التحرري الطاهر الحداد في كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" الصادر في 1930، والذي أحدث زلزالًا في الأوساط المحافظة. وعندما زار طه حسين تونس في 1957 بعدما توثقت علاقاته بكل من الشيخ عبد العزيز الثعالبي ثم بالزعيم الحبيب بورقيبة، لقي قبولًا واسعًا من عموم السياسيين والمثقفين، وحظي بترحيب خاص من الشيخ الطاهر بن عاشور وابنه الفاضل في أثناء حفل اختتام السنة الدراسية للجامعة الزيتونية. وتأثر يومها "بوجود طالبات فائزات بالجوائز والشهادات الزيتونية، الأمر الذي لم يكن قد حدث بعد مثله في الأزهر". وقد أثنى عميد الأدب العربي يومها على كلمة المجدّد بن عاشور قائلا "تدل على أن تونس قد سبقت البلاد العربية كلها، لا أستثني منها بلدًا، إلى هذا الذي صبا إليه المصلحون والأستاذ الإمام محمد عبده بنوع خاص من هذه الملاءمة بين حياة الدين وحياة الدنيا". وقال كلماته التي لا يزال التونسيون يردّدونها "إننا نأتي إلى هنا لنقتبس من أنواركم، فأنتم الذين يُؤخذ عنهم العلم".
هذا الأمر هو الذي يفسر رغبة جزء هام من المصريات اللواتي يطمحن نحو أن يصبح وضعهن القانوني شبيهًا بالتونسيات أو أرقى، وذلك بفضل مجلة الأحوال الشخصية التي صدرت في تونس بعد الاستقلال مباشرة، رغم هناتٍ تشكو منها التجربة التونسية. إذ من الغريب أنه بعد كل هذه المسافة الزمنية، يستمر النقاش في مصر بشأن مدى شرعية تحديد السن القانونية للزواج بـ18 عاما، حيث هناك من يزعم أن تكون البنت تتحمل الوطء حتى تحظى بالزواج بقطع النظر عن عمرها ونضجها العقلي والعاطفي والاجتماعي. ومنهم أيضًا من يصرّ على رفض اشتراط أن يكون الطلاق كتابة وليس شفويًا، وأمام القاضي. كما لا يزال هناك من يعترض على وضع قيود على مسألة تعدّد الزوجات، مثل موافقة الزوجة الأولى كتابيًا. وبطبيعة الحال، يستمر الرفض بقوة المساس بنظام الإرث، ويمنع منعًا باتًّا الإشارة إلى المساواة في توزيع التركة بين الذكر والأنثى.
ليس هذا الحديث دفاعًا عن مشروع الحكومة الذي يشكو من ثغراتٍ عديدةٍ من المتوقع مراجعتها، لكن الأكيد أن أوضاع الأسرة المصرية تحتاج إصلاحات جذرية.
هناك من يطالب بوضع قانون مدني للمصريين حتى يقع التمييز بين المواطنين والمواطنات على أساس الانتماء الديني. وهي مشكلة شبيهة بالحالة اللبنانية على سبيل المثال، لكن الوضع الراهن في مصر غير مهيأ لهذا. ويُخشى أن تكون النتائج عكسية إذا ما جرى إبعاد الدين. فالفكر المحافظ قوي في مصر، ورغم أن الأزهر خاضع لإشراف الدولة، فهو يملك القدرة المعنوية على تعديل الكفة في هذا الاتجاه أو ذاك. ورغم محاولاتٍ لتطويره أو تطويعه، بقي عنيدًا، خصوصًا في ما يتعلق بالنساء. وما لم يتطور الأزهر من داخله، سيكون من الصعب إحداث تغييرات جوهرية داخل الأسرة المصرية؛ فتجديد الفكر الديني هو بداية الحل لمن يطمح لإصلاح شامل ودائم.

