ما يفترض أنه دعم استثنائي بقيمة 8 مليارات جنيه لقرابة 10 ملايين بطاقة تموينية، تحول في قطاعات من التطبيق إلى ملف فساد مفتوح. الوقائع الميدانية التي ترددت من أكثر من محافظة لا تتعلق فقط بتأخير أو ارتباك في الصرف، بل بسلع منتهية الصلاحية ومجهولة المصدر، وأوزان ناقصة، وإجبار للتجار على استلام بضائع راكدة، مع تحميل المواطن في النهاية كلفة هذا العبث كله.

 

أصل المنحة معروف ومعلن. 400 جنيه لكل بطاقة مستحقة خلال مارس وأبريل 2026، بإجمالي 8 مليارات جنيه. لكن ما يجري على الأرض يكشف فجوة حادة بين القرار الحكومي وما يصل فعلًا إلى المواطن.

 

الأزمة لا تقف عند جودة السلع فقط. داخل منظومة الجملة نفسها، تتكرر شكاوى من رسوم غير قانونية تحت مسميات “إكراميات” تفرض على بقالي التموين والتجار أثناء الجرد والتحميل والصرف. وفق الوقائع الواردة من الميدان، تبدأ هذه المبالغ من 50 جنيهًا على الفاتورة، وتمتد إلى جنيه عن كل كرتونة، وتصل إلى 300 جنيه لعمال الشحن. وعندما يتحول صرف السلع المدعمة إلى حلقة جباية موازية، تصبح النتيجة مباشرة. التاجر ينقل العبء إلى المواطن، إما برفع السعر الفعلي، أو بتقليص الوزن، أو بفرض سلعة أقل جودة من القيمة التي سجلها النظام. وفي الخلفية، كانت وزارة التموين نفسها تتحدث قبل أيام عن السعي إلى تطوير منظومة رقمية للتفتيش والرقابة، بما يعني أن الأزمة لم تعد مجرد تجاوزات فردية، بل خلل رقابي قائم تعترف به الحاجة إلى إعادة بناء أدوات المتابعة.

 

سلع فاسدة على بطاقات الفقراء

 

الشق الأخطر في الملف هو السلامة الغذائية. الشكاوى الميدانية التي تتحدث عن ظهور حلاوة طحينية فاسدة ضمن حصص المنحة في شبرا الخيمة، وسلع مجهولة المصدر في البحيرة والمنوفية والدقهلية، لا تبدو معزولة عن واقع رقابي أوسع. خلال مارس فقط، أعلنت جهات رقابية رسمية حملات في المحافظات أسفرت عن ضبط وإعدام سلع غذائية غير صالحة ومجهولة المصدر في أكثر من موقع، بينها حملات لسلامة الغذاء في الإسماعيلية والدقهلية، وحملات تموينية مشتركة في قنا، وضبطيات أخرى لسلع منتهية الصلاحية في الإسكندرية والأقصر. هذه الوقائع لا تثبت وحدها أن كل ما يوزع عبر المنحة فاسد، لكنها تؤكد أن السوق الذي تمر عبره السلع المدعمة يعاني أصلًا من اختراقات خطيرة في الرقابة والجودة.

 

في هذا السياق، تبدو ملاحظة الدكتور حسين منصور، الرئيس السابق للهيئة القومية لسلامة الغذاء، ذات صلة مباشرة بالملف. منصور قال سابقًا إن الأغذية مجهولة المصدر لا تكفي فيها “العينة” للحكم بالسلامة، وإن الرقابة على الغذاء يجب أن تكون مؤسسية ومستمرة لا موسمية أو انتقائية. أهمية هذا الكلام هنا أن الشكوى لا تتعلق بسلعة تالفة واحدة، بل بمرور سلع لا تحمل ضمانًا واضحًا للجودة أو المصدر إلى منافذ تخدم أفقر الشرائح، بما يحول الدعم من أداة حماية إلى قناة خطر صحي مباشر. وفي حال ثبوت توزيع سلع ناقصة الوزن تصل إلى 300 جرام للكيس أو منتجات بلا بيانات واضحة، فنحن لا نكون أمام مخالفة تجارية فقط، بل أمام مساس مباشر بحق المستفيد في الغذاء الآمن والمعلن بوضوح.

 

مافيا المخازن تفرض الرديء وتمنع الأساسي

 

من قلب المخازن تظهر صورة ثانية لا تقل خطورة. في أسيوط، بحسب الوقائع الميدانية الواردة، يجري إجبار التجار على شراء كيلو الأرز بزيادة 6 جنيهات عن السعر الرسمي ليصل إلى 30 جنيهًا، مع ربط حصولهم على السلع الأساسية بقبول سلع راكدة أو ضعيفة الطلب مثل الحلاوة الطحينية والجيلي ورقائق البطاطس. هذه ليست مشكلة تنظيمية صغيرة. هذا نمط توزيع قهري يسمح للمخزن بتصريف بضاعته على حساب التاجر والمواطن معًا، ويحوّل دعم السلع الأساسية إلى أداة ضغط إداري ومالي. وفي كفر الشيخ، ظهرت عقبة أخرى مرتبطة بنسبة 30% كحد أقصى للصرف من قيمة التأمين، وهي القاعدة التي كانت محل تعديل رسمي لاحق برفع النسبة إلى 50% اعتبارًا من أول أبريل 2026، بعدما تسببت في تضييق قدرة المنافذ على إعادة ضخ السلع. مجرد اضطرار الوزارة إلى تعديل هذه النسبة يكشف أن بنية الصرف نفسها كانت عاجزة عن استيعاب ضغط المنحة منذ البداية.

 

هشام الدجوي، رئيس شعبة المواد الغذائية باتحاد الغرف التجارية، قال في مارس 2026 إن الأزمة التي ظهرت في صرف سلع المنحة ارتبطت بعمليات النقل والتوزيع أكثر من ارتباطها بنقص السلع نفسها. هذه الشهادة لا تنفي وجود المخالفات، لكنها تكشف موضع العطب بوضوح. الدولة قد ترصد السلع على الورق، لكن عجز حلقات النقل والتسليم والصرف، أو فسادها، يبدد القيمة قبل أن تصل إلى المستفيد. وهذا يفسر كيف يدفع بعض التجار في المحافظات عشرات ومئات الجنيهات مواصلات ورسومًا غير قانونية من أجل حصص ضئيلة، ثم يعود بعضهم بلا بضاعة أصلًا بسبب أعطال النظام أو تعنت المخزن أو محدودية الكميات.

 

الدعم يتبخر بين الفساد والصرف النقدي المنقوص

 

النتيجة النهائية لهذا المسار أن أموال الدعم تتسرب عبر قنوات إدارية غير شفافة، بينما يحصل المواطن على قيمة فعلية أقل من المعلن. الخبير الاقتصادي علي الإدريسي يقرأ المشهد باعتباره نتيجة طبيعية لعدم احتساب التكلفة الحقيقية لوصول الدعم من نقل وتخزين وتداول، بما يسمح باستنزاف جزء من المنحة داخل حلقات الفساد الإداري وسوء التوزيع.

 

هذا التوصيف يلتقي مع ما قاله الخبير الاقتصادي مدحت نافع، الذي اعتبر أن جزءًا كبيرًا من الدعم يهدر بسبب غياب الرقابة والفساد، وأن الدعم النقدي يكون أقل إهدارًا وأسرع وصولًا للمواطن من الدعم العيني عندما تكون المنظومة مثقلة بالتسريب والوساطة. ما تقوله الوقائع من فيصل وغيرها عن صرف 320 جنيهًا نقدًا مقابل التنازل عن منحة الـ400 جنيه كاملة على النظام، أو بيع زجاجة الزيت بـ60 جنيهًا وكيلو السكر بـ35 جنيهًا داخل منافذ يفترض أنها مدعمة، ليس مجرد انحراف محدود. إنه دليل على أن جزءًا من المنحة لا يضيع بعد الصرف، بل يُنتزع قبل أن يتحول أصلًا إلى سلعة عادلة بالسعر والوزن والجودة.

 

حين تُخصص الدولة 8 مليارات جنيه لدعم 10 ملايين بطاقة، ثم يجد المواطن سلعًا فاسدة أو مجهولة المصدر أو ناقصة الوزن، ويجد التاجر نفسه تحت ضغط الإتاوات والسلع المفروضة، فنحن لا نكون أمام خلل جزئي. نحن أمام منظومة تسمح بابتلاع الدعم بين المخازن والمنافذ قبل أن يصل إلى من قيل إنه خُصص لهم. وهذه هي المسألة التي يجب أن تُفتح علنًا. أين ذهبت القيمة الكاملة للمنحة، ومن سمح بأن يتحول دعم الفقراء إلى سوق موازية للجباية والرداءة والفساد.