يدفع دونالد ترامب الحرب مع إيران إلى مرحلة أكثر خطورة بعدما ربط أمن الملاحة في مضيق هرمز بمزيد من الضربات، وطلب من الحلفاء إرسال قطع بحرية لتأمين الممر، بينما ردت طهران بتصعيد لهجتها وتوسيع أدوات الضغط داخل المضيق نفسه. وفي قلب هذا التصعيد، تؤكد تقارير أن إيران زرعت نحو 12 لغماً بحرياً خلال الأيام الأخيرة، في خطوة تهدف إلى تعقيد أي محاولة لإعادة فتح الممر ورفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها والأسواق معاً.
تكشف التطورات الاقتصادية أن المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل تحولت إلى صراع على الطاقة والشحن والتأمين وسلاسل الإمداد. فالمضيق الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط والغاز العالمية يشهد شللاً واسعاً، مع قفزات في أسعار الشحن والطاقة، وتحذيرات إيرانية من وصول النفط إلى 200 دولار للبرميل، مقابل خطاب أميركي يعتبر أن أي تعطيل للملاحة سيواجه برد أعنف بكثير من الضربات السابقة.
واشنطن تفتح جبهة المضيق
رفع ترامب سقف المواجهة بشكل واضح في الأيام الأخيرة. ففي 9 مارس قال إن الولايات المتحدة "دمرت" سفناً إيرانية كانت تزرع ألغاماً في المضيق، وطالب طهران بإزالة أي ألغام فوراً، بينما أقرّ مسؤولون عسكريون أميركيون بأن البحرية الأميركية لا تستطيع حالياً توفير مرافقة مباشرة لكل السفن التجارية العابرة. وبعدها صعّد أكثر، مهدداً بضربات جديدة على جزيرة خرج، مركز تصدير النفط الإيراني، وداعياً الحلفاء إلى المشاركة في تأمين هرمز بقطع بحرية.
هذا التحول يعني أن واشنطن لم تعد تتعامل مع هرمز باعتباره أثراً جانبياً للحرب، بل جبهة قائمة بذاتها. ووفق رويترز، فإن ترامب قال أيضاً إن بلاده قد تضرب جزيرة خرج "بضع مرات أخرى"، وهو كلام ينسف أي انطباع بأن الإدارة الأميركية تسعى إلى احتواء سريع، ويعكس اتجاهاً نحو استخدام الضغط البحري والاقتصادي بالتوازي مع القصف العسكري. هنا يظهر الموقف الأميركي بوضوح: حماية تدفق النفط أولوية، لكن من دون تحمل العبء وحدها، ولهذا يضغط ترامب على الحلفاء للمشاركة في كلفة التأمين والانتشار البحري.
وتقول هليما كروفت، كبيرة محللي الطاقة في RBC، إنه لا توجد حتى الآن مؤشرات حقيقية على إعادة فتح المضيق، ما يعني أن الأسواق لا تزال تتعامل مع الأزمة باعتبارها قائمة ومفتوحة على مزيد من التعقيد. أهمية هذا الرأي أنه يضع مسافة بين الخطاب السياسي الأميركي وبين الواقع الميداني، حيث لا تزال الألغام والتهديدات وتوقف السفن تجعل أي حديث عن استعادة الملاحة الكاملة سابقاً لأوانه.
طهران ترفع الثمن بالألغام والتهديدات
في المقابل، تبدو إيران متمسكة بمنطق رفع كلفة الحرب على خصومها بدلاً من الاكتفاء بالرد العسكري المباشر. فبحسب مصدرين مطلعين نقلت عنهما رويترز، زرعت طهران نحو 12 لغماً بحرياً في المضيق خلال الأيام الماضية، فيما قال مصدر إن مواقع أغلب هذه الألغام معروفة، لكن لم يتضح بعد كيف ستتعامل واشنطن معها. هذا الإجراء لا يغلق المضيق فقط، بل يحوله إلى مساحة استنزاف بحرية مفتوحة ومكلفة.
الرأي الإيراني الرسمي يذهب في الاتجاه نفسه. فقد قال قادة عسكريون إيرانيون إن العالم يجب أن يستعد لاحتمال صعود النفط إلى 200 دولار للبرميل، بينما أكد مسؤول في الحرس الثوري، وفق رويترز، أن المضيق مغلق وأن إيران ستشتبك مع أي سفينة تحاول العبور قبل ضمان "ملاحة آمنة" بشروطها. بهذا المعنى، لا تنظر طهران إلى هرمز كساحة دفاع فقط، بل كورقة ردع اقتصادي ضد واشنطن والعواصم الغربية والآسيوية المعتمدة على نفط الخليج.
ويعزز هذا الفهم ما قاله مايك ماكدوجال، وهو خبير بارز في تجارة السلع، حين أوضح لرويترز أن السفن التي استمرت في العبور خلال الأزمة كانت مرتبطة في معظمها بمصالح صينية أو إيرانية. دلالة هذا التصريح أن طهران لا تتحرك بسياسة إغلاق مطلق، بل بسياسة انتقائية تستخدم المرور والمنع أداة ضغط ورسالة سياسية واقتصادية في الوقت نفسه. وهذا يفسر كيف تحاول إيران إدارة المضيق كأداة تفاوض بالقوة، لا كممر ملاحي محايد.
الأسواق تحت الحصار
النتيجة الاقتصادية جاءت سريعة وواضحة. رويترز أفادت في 3 مارس بأن أسعار النفط والغاز العالمية قفزت مع تعطل الشحن والإنتاج، وأن أسعار البنزين في الولايات المتحدة تجاوزت 3 دولارات للغالون، بينما توقفت حركة هرمز لعدة أيام وتعرضت 5 ناقلات لهجمات. كما أشارت إلى أن مئات الناقلات المحملة بالنفط والغاز باتت عالقة قرب الفجيرة ومناطق مجاورة، ما يهدد الإمدادات المتجهة إلى آسيا وأوروبا ويرفع كلفة التأمين والشحن إلى مستويات غير مسبوقة.
وتتضح خطورة المشهد أكثر في تقديرات "تومسون رويترز" التي قالت إن الأزمة أزاحت نحو 20 مليون برميل يومياً من الخام عن الأسواق العالمية فعلياً، وإن استمرار التعطل لأكثر من 30 يوماً قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود واسع، مع احتمال صعود النفط إلى ما بين 100 و200 دولار للبرميل بحسب شدة الأزمة. هذا ليس أثرًا مالياً بعيداً، بل ضغط مباشر على الوقود والغذاء والنقل والتضخم في الدول المستوردة، ومنها مصر التي تتأثر بأي قفزة في الطاقة والشحن.
وفي تحليل لرويترز، حذر كلايد راسل من أن نقص الوقود في آسيا بدأ يظهر بالفعل في أسعار المنتجات البترولية، وأن السوق لا تواجه فقط نقصاً في الخام، بل اضطراباً في الديزل ووقود الطائرات والغاز المسال نتيجة اختناق الشحن. كما أظهرت رويترز أن تكاليف شحن ناقلات النفط العملاقة من الشرق الأوسط إلى الصين تجاوزت 400 ألف دولار يومياً، مع تباطؤ مبيعات الوقود البحري في الفجيرة وتراجع استعداد الملاك لإرسال سفنهم إلى الخليج.
المحصلة أن ترامب نقل الحرب إلى مرحلة أخطر حين جعل هرمز ساحة مواجهة مباشرة ومفتوحة، بينما ردت إيران بتلغيم المضيق ورفع الثمن على الجميع. الموقف الأميركي يقوم على التهديد وتدويل الحماية البحرية، والموقف الإيراني يقوم على خنق الممر وابتزاز السوق، وبين الطرفين تقف الأسواق العالمية أمام أزمة طاقة قد تتسع بسرعة إذا طال أمد الصراع أو تحولت الألغام والتهديدات إلى اشتباك بحري واسع.

