يكشف تحطم طائرة التزويد بالوقود الأمريكية من طراز KC-135 في غرب العراق حجم الضغط الذي تتعرض له العمليات العسكرية الأمريكية في الإقليم، ويضع القيادة المركزية أمام أسئلة مباشرة عن سلامة الطائرات، وكفاءة إدارة المهام القتالية، وجدوى استمرار الاعتماد على أسطول يتجاوز متوسط عمره 66 عامًا.

 

وقع الحادث يوم 12 مارس في أجواء وصفتها القيادة الأمريكية بأنها “صديقة”، وبدأ الإعلان الرسمي بتأكيد مقتل 4 من أصل 6 عسكريين مع استمرار البحث عن 2 آخرين، قبل أن تعلن القيادة المركزية لاحقًا وفاة الطاقم بالكامل، ما يعني أن الرواية الأولية كانت ناقصة وأن حجم الخسارة أكبر مما قيل في الساعات الأولى.

 

القيادة المركزية استبعدت منذ البداية فرضية النيران المعادية أو النيران الصديقة، وأكدت أن طائرة ثانية كانت طرفًا في الواقعة وهبطت بسلام، بينما رجحت تقارير عسكرية أمريكية متخصصة أن يكون الحادث ناتجًا عن تصادم جوي، أو على الأقل عن واقعة تشغيلية بين طائرتين خلال مهمة قتالية معقدة.

 

رواية أمريكية مرتبكة

 

أعلنت القيادة المركزية أن الطائرة سقطت في غرب العراق نحو الساعة 2 ظهرًا بتوقيت شرق الولايات المتحدة، أي قرابة 9 مساءً بالتوقيت المحلي، خلال مهمة قتالية ضمن عملية “Epic Fury”، وأكد الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، أن الطاقم كان ينفذ مهمة عملياتية فعلية لحظة الحادث.

 

لكن طريقة الإعلان نفسها كشفت ارتباكًا واضحًا. فبينما جرى الحديث أولًا عن 4 قتلى و2 مفقودين مع استمرار “الإنقاذ النشط”، انتهى اليوم نفسه بإعلان وفاة جميع أفراد الطاقم الستة، وهو تطور يوضح أن القوات الأمريكية لم تكن تملك صورة مكتملة عن الحادث رغم ضخامته وحساسية موقعه وسياقه.

 

الأخطر أن البيان الأمريكي لم يقدّم حتى الآن تفسيرًا فنيًا أوليًا واضحًا يشرح كيف تورطت طائرتان من الطراز نفسه في “حادث” داخل مجال جوي تسيطر عليه واشنطن وحلفاؤها، ثم انتهى الأمر بتحطم إحداهما ومقتل طاقمها بالكامل.

 

هذا الغموض يضغط على صدقية الرواية الأمريكية، خصوصًا مع ورود معلومات إلى مجلة Air & Space Forces تفيد بأن الواقعة يُعتقد أنها تصادم جوي، ومع ظهور مؤشرات على تعرض الطائرة الثانية لأضرار كبيرة في الذيل قبل هبوطها الآمن.

 

أسطول قديم تحت ضغط الحرب

 

تكمن المشكلة الأوسع في أن الحادث لا يخص طائرة منفردة فقط، بل يخص بنية تشغيل كاملة تعتمد على منصة جوية قديمة ما زالت تمثل ركيزة أساسية في الإمداد الجوي الأمريكي. فطائرات KC-135 دخلت الخدمة منذ الخمسينيات والستينيات، ومتوسط عمر هذا الأسطول يزيد على 66 عامًا، ومع ذلك لا يزال في قلب العمليات اليومية لتزويد المقاتلات والقاذفات وطائرات الدعم بالوقود.

 

الجنرال الأمريكي المتقاعد ديفيد دبتولا، عميد معهد ميتشل للدراسات الجوية، وصف أزمة تقادم الطائرات في سلاح الجو بأنها نتيجة “عقود من الإهمال”، وقال إن الوضع أصبح “مزمنًا ويجب التعامل معه”، وهو تقييم يكتسب وزنًا أكبر بعد سقوط ناقلة جوية في مسرح حرب مفتوح.



هيذر بيني، الطيارة السابقة والباحثة البارزة في معهد ميتشل، ربطت بدورها بين تراجع الجاهزية وشيخوخة الأسطول، وقالت إن الأرقام “مقلقة” وإن الوضع مرشح لأن يكون أسوأ، بينما أظهرت بيانات الدفاع الأمريكية أن معدل الجاهزية تراجع إلى 62% فقط في أسطول الطيران الأمريكي خلال 2024.



هذه التقديرات لا تجعل حادث العراق مفاجئًا بالكامل. فهي تضعه داخل سياق أوسع من الضغط التشغيلي، ونقص الاستبدال السريع، واستمرار تشغيل منصات قديمة في بيئات قتالية شديدة التعقيد.

 

كلفة اللوجستيات في حرب مفتوحة

 

لا يمكن فصل الحادث عن طبيعة الحرب نفسها. تقرير Breaking Defense أشار في 2 مارس إلى أن العمليات ضد إيران قد تضغط قدرات التزويد بالوقود والنقل الجوي، وأن الولايات المتحدة دفعت بأكثر من 100 طائرة تزويد بالوقود، من بينها KC-135 وKC-46، إلى مسرح العمليات.



هذا يعني أن كل خسارة في هذا النوع من الطائرات ليست مجرد حادث تقني، بل ضربة مباشرة لشبكة الإمداد الجوي التي تسمح أصلًا باستمرار الطلعات الطويلة والهجمات بعيدة المدى. وعندما تسقط طائرة من هذا النوع، فإن الخسارة لا تُقاس بأرواح الطاقم فقط، بل بما تكشفه عن حدود القدرة على الحفاظ على الإيقاع القتالي نفسه.

 

القيادة الأمريكية تحاول حصر الأزمة في إطار “حادث جارٍ التحقيق فيه”، لكن الأرقام المحيطة بالحرب تجعل هذا التبسيط غير مقنع. فبحسب المصادر العسكرية الأمريكية، أصبح حادث KC-135 أول خسارة لطائرة تزويد تابعة لسلاح الجو منذ 13 عامًا، كما أنه يرفع عدد القتلى الأمريكيين في هذه الحرب إلى 13.

 

ويكتسب هذا الرقم معنى أكبر إذا وُضع بجوار خسائر أخرى سبقت الحادث، بينها إسقاط 3 مقاتلات F-15E بنيران صديقة كويتية في 1 مارس، وخسارة ما لا يقل عن 10 طائرات MQ-9 مسيّرة خلال العمليات نفسها، وهو ما يشير إلى أن المشكلة لم تعد حادثًا منفصلًا، بل نمط استنزاف يتسع مع طول أمد الحرب.

 

تحقيق مطلوب لا بيان تهدئة

 

الجنرال دان كين كرر أن الحادث لم يكن نتيجة نيران معادية أو صديقة، لكن هذا النفي لا يغلق الملف، بل يفتحه على اتساعه. فإذا كانت الطائرة لم تُسقطها إيران، ولم تصبها قوة حليفة، فالمسؤولية تنتقل مباشرة إلى أنظمة التشغيل، والانضباط الجوي، وصيانة الطائرات، وإدارة المهام المركبة في أجواء مزدحمة ومتوترة.

 

لهذا تبدو القضية أكبر من نعي عسكري مؤجل الأسماء 24 ساعة التزامًا بالبروتوكول. القضية الآن تتعلق بما إذا كانت واشنطن تدير حربًا أوسع من قدرة أدواتها الحالية، وبما إذا كان الإصرار على تدوير طائرات قديمة في مهام حساسة صار جزءًا من المشكلة لا مجرد تفصيل فني داخلها.

 

ما حدث في غرب العراق يوم 12 مارس لا يخص الجيش الأمريكي وحده. إنه يخص شكل الحرب كلها. فحين تسقط طائرة لوجستية مركزية داخل مجال تصفه واشنطن بأنه آمن، ويُقتل طاقمها كاملًا، ثم تتأخر الرواية الكاملة لساعات، فإن الرسالة الأساسية تكون واضحة: الخلل لم يعد على الأطراف، بل يقترب من قلب المنظومة نفسها.