تكشف بيانات الحرب، لا البيانات الرسمية فقط، أن الصراع في المنطقة دخل مرحلة أكثر خطورة وأطول نفسًا. تحليل أجرته الإيكونوميست شمل 1615 هجومًا منفصلًا و2875 عملية إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة وحرائق غير طبيعية في 208 مواقع استراتيجية، وانتهى إلى نتيجة واضحة: إيران غيّرت تكتيكها تحت الضغط، وأمريكا وإسرائيل نقلتا المعركة من الأهداف العسكرية المباشرة إلى بنية الدولة الاقتصادية والأمنية.
هذا التحول لا يعني اقتراب نهاية الحرب. يعني العكس تقريبًا. حين تتراجع كثافة الصواريخ وتزداد المسيّرات، وحين تنتقل الضربات إلى الموانئ والمصافي والمطارات ومراكز الشرطة، فنحن لا نكون أمام حسم سريع، بل أمام حرب تستهدف إنهاك الدولة والمجتمع وحركة التجارة معًا. وهنا يصبح الثمن الإقليمي أكبر من مجرد عدد الضربات أو خرائط السيطرة.
إيران تغيّر سلاحها ولا تغيّر النتيجة
رصدت الإيكونوميست أن الهجمات الإيرانية المضادة صارت أقل فعالية في المراحل الأخيرة من الحرب، سواء من حيث العدد أو من حيث التحول من الصواريخ إلى الطائرات المسيّرة. وفي بداية النزاع كانت إيران تطلق مسيّرة واحدة تقريبًا مقابل كل صاروخ، لكن النسبة ارتفعت لاحقًا إلى 3 مسيّرات مقابل صاروخ واحد، وفي مراحل سابقة من الرصد وصلت، بحسب تحديث الإيكونوميست في 6 مارس، إلى 10 مسيّرات مقابل كل صاروخ.
لكن زيادة المسيّرات لم تُترجم إلى اختراق حاسم. حتى 10 مارس، أفادت الإمارات بتعرضها لـ 262 صاروخًا باليستيًا اعترضت 260 منها أو سقطت في البحر، و1475 طائرة مسيّرة اعترضت 1385 منها، و8 صواريخ كروز جرى اعتراضها كلها، فيما قالت البحرين إنها رصدت أكثر من 350 قذيفة واعترضت معظمها. هذه الأرقام تقول إن إيران غيّرت الأداة، لكنها لم تنجح في تغيير النتيجة العملياتية بالصورة التي تسمح لها بفرض توازن ردع جديد.
كاترينا بوندار، الباحثة في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS، تشرح هذا النمط بوضوح حين تقول إن الحملة الإيرانية اعتمدت “بنية طبقية” تجمع بين المسيّرات والصواريخ الباليستية وصواريخ الكروز، ومرت بمرحلتين: موجة صدمة أولى ضخمة، ثم مرحلة استنزاف أكثر استدامة للحفاظ على الضغط. هذا التوصيف يساعد على فهم سبب تراجع وتيرة الهجمات في الأيام الأخيرة من دون أن يعني ذلك انكسارًا كاملًا لقدرة إيران على الإيذاء.
وفي الخلفية، تكشف الحرب حدود السلاح الرخيص أمام شبكات الدفاع الكثيفة. المسيّرات أقل كلفة وأسهل إنتاجًا وأقدر على الإرباك، لكنها لا تكفي وحدها لإحداث الأثر نفسه الذي تصنعه الصواريخ الثقيلة حين تتجاوز الدفاعات. لذلك يبدو التحول الإيراني أقرب إلى إدارة نقص وإطالة زمن الاشتباك، لا إلى فرض تفوق جديد في الميدان.
أمريكا وإسرائيل تنقلان الحرب إلى بنية الدولة
في المقابل، تشير بيانات الإيكونوميست إلى أن أمريكا وإسرائيل خفّضتا نسبة استهداف الأهداف العسكرية التقليدية إلى نحو خُمسَي ما كانتا تستهدفانه في بداية الحرب. الضربات المبكرة طالت المقر الرئاسي في طهران ومنظومة الدفاع الجوي الإيرانية SA-65 في كرمانشاه، لكن الأهداف الأحدث امتدت إلى مراكز الشرطة والمطارات ومواقع الحرس الثوري، ثم إلى المنشآت النووية ومصافي النفط والموانئ وبقايا الأهداف العسكرية.
هذا التحول ليس تفصيلًا تكتيكيًا. هو إعادة تعريف لهدف الحرب نفسها. بدل الاكتفاء بتحييد بطاريات الدفاع أو قواعد الإطلاق، صار التركيز على إضعاف قدرة الدولة الإيرانية على الحركة والإنتاج والضبط الداخلي. وعندما تصبح الشرطة والمطارات والموانئ جزءًا من بنك الأهداف، فالمعركة تنتقل من مواجهة جيش إلى إنهاك دولة كاملة.
مايكل نايتس، الباحث في معهد واشنطن، لخص الهدف الأمريكي الإسرائيلي الأدنى بأنه تقليص القدرة الهجومية الإيرانية خارج الحدود إلى “أقصى حد ممكن”، بما يعني شل البرنامج الصاروخي على المدى الطويل وإضعاف القدرات البحرية والجوية والبرية بعيدة المدى. هذا الكلام ينسجم مباشرة مع نمط الضربات الراهن، لأن استهداف البنية الصناعية والدفاعية والمرافئ ليس عارضًا، بل جزء من عملية إضعاف طويلة المدى لا تبدو قريبة من التوقف.
وتعزز بيانات نظام FIRMS التابع لوكالة ناسا هذه الصورة. فبحسب الإيكونوميست، ربما تكون فترة القصف المكثف لمصانع الصواريخ والطائرات المسيّرة قد انتهت، لتحل محلها ضربات على المنشآت النووية ومصافي النفط والموانئ، إلى جانب ما تبقى من الأهداف العسكرية. المعنى السياسي هنا واضح: الحرب لم تعد تستهدف فقط أدوات القتال الإيرانية، بل قدرة الاقتصاد والدولة على الصمود تحت النار.
التجارة تختنق والمنطقة تدفع الثمن
الثابت الأكثر وضوحًا في هذه الحرب هو تعطل السفر والتجارة. بعض المطارات عاد إليه جزء من الحركة، لكن مطارات أخرى مثل الدوحة ومدينة الكويت ظلت مغلقة إلى حد كبير، ما يعكس أن أثر الحرب لم يعد محصورًا في قواعد عسكرية أو مواقع إطلاق، بل طال الشرايين المدنية والاقتصادية مباشرة.
أما العقدة الأخطر فهي مضيق هرمز. قبل الحرب كان يمر عبره نحو 50 ناقلة نفط وغاز ضخمة يوميًا، لكن منذ اندلاع النزاع لم يعبره سوى 5 ناقلات فقط كما حدث في 2 مارس، وفي 3 أيام لم تعبره أي ناقلة على الإطلاق. هذا ليس اضطرابًا ملاحيًا عابرًا، بل خنق فعلي لأخطر نقطة اختناق في تجارة الطاقة العالمية.
هليما كروفت، رئيسة استراتيجية السلع في RBC، قالت بوضوح إنه لا توجد مؤشرات على التحرك نحو إعادة فتح المضيق، وحذرت من أن قدرة إيران على “تسليح” هرمز تبقى نقطة الضعف الأهم في السوق العالمي، وأن استهداف الناقلات أو تلغيم المسار قد يدفع الأسعار إلى ما فوق 100 دولار للبرميل. هذا التقدير يشرح لماذا تتجاوز الحرب حدود إيران وإسرائيل وأمريكا لتضرب اقتصادات الخليج والعالم كله.
ما تكشفه هذه المرحلة هو أن الحرب صارت أقل اعتمادًا على صورة “الضربة القاصمة” وأكثر اعتمادًا على الاستنزاف المركب. إيران ترسل مسيّرات أكثر وأثرًا أقل. أمريكا وإسرائيل تضربان المرافئ والمنشآت ومراكز الأمن أكثر من مواقع الجيش وحدها. والمنطقة كلها تدفع فاتورة تعطيل المطارات والتجارة والطاقة. هذه ليست حرب جبهات فقط. إنها حرب على القدرة على الاستمرار.

