وافق المجلس التنفيذي لـ صندوق النقد الدولي على اعتماد المراجعتين الخامسة والسادسة من برنامج التسهيل الممدد مع مصر، إضافة إلى المراجعة الأولى ضمن آلية المرونة والاستدامة، بما يتيح شريحة تمويل جديدة قدرها 2.3 مليار دولار، ضمن برنامج إجمالي حجمه 8 مليارات دولار.
القرار يُقدَّم رسميًا باعتباره دعمًا للاستقرار المالي والإصلاح الاقتصادي، لكنه يعيد فتح السؤال الأهم في الداخل المصري: مَن سيدفع الثمن الفعلي لهذه القروض المتراكمة، في ظل تضخم مستويات الدَّين وخدمة الفوائد، وتآكل قدرة الموازنة على الإنفاق الاجتماعي الأساسي؟
قرض جديد.. برنامج مستمر ودين يتضخم
بحسب البيان المنشور عن قرار الصندوق، حصلت مصر خلال الأعوام الثلاثة الماضية على نحو 3.2 مليار دولار من القرض الحالي، قبل الشريحة الجديدة البالغة 2.3 مليار دولار، ليظل الجزء الأكبر من التمويل مرتبطًا بشروط إصلاحية تمتد حتى 2027 تقريبًا.
في الوقت نفسه، رفع الصندوق وغيره من المؤسسات الدولية تقديرات احتياجات مصر من التمويل الخارجي إلى نحو 30.4 مليار دولار في العام المالي 2025/2026، مقابل توقعات سابقة عند 25.9 مليار دولار، ما يعكس استمرار فجوة دولارية واسعة لا يغلقها هذا القرض وحده.
الدَّين الخارجي نفسه يواصل الصعود؛ فقد وصلت قيمته إلى ما يقارب 161–164 مليار دولار بنهاية 2025، وفق بيانات البنك الدولي وتصريحات رسمية نُقلت في الصحافة الاقتصادية المحلية، مع استمرار خطط إصدار سندات دولية وصكوك جديدة، ما يعني أن المسار العام هو مزيد من الاقتراض لسداد التزامات قائمة وسد الفجوة التمويلية.
في هذا السياق، لا تبدو الـ2.3 مليار دولار إلا حلقة جديدة في سلسلة تمويلات تُستخدم جزئيًا لدعم الاحتياطي وتمويل الواردات العاجلة، لكنها لا تغير وحدها اتجاهَ منحنى الدَّين ولا تضمن تخفيف كلفته على الاقتصاد والمواطن.
فاتورة خدمة الدَّين تضغط على الموازنة والمواطن
القلق الداخلي يتجاوز حجم القرض إلى طريقة توزيع كلفته على الموازنة العامة. الدكتورة عالية المهدي، أستاذ الاقتصاد وعميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية الأسبق، تؤكد أن أعباء الديون في مصر وصلت إلى مستويات «خطيرة»، مشيرة إلى أن أقساط وفوائد الدَّين تمثل نحو 65% من إجمالي الإنفاق العام في موازنة 2024/2025، وأن إجمالي الأقساط والفوائد يقترب من 142% من إيرادات الدولة.
هذه الأرقام تعني أن كل زيادة في الاقتراض، بما في ذلك قرض صندوق النقد الأخير، تُترجم عمليًا إلى بنود إضافية للفوائد والأقساط، على حساب الإنفاق على الصحة والتعليم والدعم الاجتماعي، حتى لو رُوِّج للقرض باعتباره أداة دعم للإصلاح.
الخبير الاقتصادي والنائب محمد فؤاد يلفت بدوره إلى أن خدمة الدَّين الخارجي وحدها بلغت نحو 38.7 مليار دولار في عام 2024/2025، مقارنة بـ32.9 مليار دولار في العام السابق، مع ارتفاع الدين الخارجي إلى نحو 161 مليار دولار، ما يجعل بند خدمة الدَّين أحد أكبر مستنزِفات الموازنة.
فؤاد يشير في مداخلات وبرقيات برلمانية متكررة إلى أن التوسع في أدوات الدَّين، خاصة أذون الخزانة القصيرة الأجل، يعكس اعتمادًا متزايدًا على الاقتراض لسد العجز الجاري، وليس لتمويل توسع إنتاجي أو تصديري حقيقي، وهو ما يزيد هشاشة الوضع المالي مع أي صدمة جديدة في أسعار الفائدة العالمية أو سعر الصرف.
من زاوية أخرى، ترى الدكتورة سالي صلاح، الباحثة الاقتصادية، أن المشكلة لم تعد في حجم الدَّين فقط، بل في وصول نسبة الدَّين العام إلى نحو 123% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025/2026، متجاوزة عتبة الـ100% التي تصنف عالميًا كـ«قنبلة موقوتة». وتعتبر أن الحديث الرسمي عن أن الدَّين «في الحدود الآمنة» يتجاهل هذه النسب، ويغفل عن أن جوهر الأزمة هو سوء إدارة وغياب تفكير استراتيجي، وليس أرقامًا مجردة.
صلاح تشير في تحليلات أخرى إلى حالة ارتباك واسعة بين المواطنين بسبب تضارب التصريحات الرسمية، وغياب الشفافية الكاملة حول هيكل الدَّين وجدول السداد، بما يفاقم فقدان الثقة ويدفع الناس لتحمل تكلفة قرارات لا يشاركون في صنعها ولا يعرفون تفاصيلها.
تحذيرات الخبراء: دائرة دَين بلا إصلاح
على المستوى الدولي، يُذكّر الخبير الاقتصادي محمد العريان بأن الاقتراض في حد ذاته ليس مشكلة، لكن المخاطر الحقيقية تظهر عندما لا يُترجم التمويل إلى إصلاحات هيكلية ترفع الإنتاجية وتوسع القاعدة التصديرية، وهو ما يحول القروض إلى عبء متراكم بدل أن تكون رافعة للنمو.
الخبير الأمريكي ستيف هانكي، المعروف بانتقاداته الحادة لبرامج الصندوق في الاقتصادات الهشة، يرى أن تكرار اللجوء إلى صندوق النقد مع استمرار الاختلالات في سعر الصرف والتضخم يضع الاقتصاد في «حلقة مفرغة من الدَّين»، حيث تُستخدم القروض لسداد فوائد وقروض سابقة دون تغيير حقيقي في نموذج التنمية.
من جانبه، يوضح الدكتور أحمد جلال، وزير المالية الأسبق، أن برامج الصندوق تركّز في الأساس على سياسات كلية قصيرة المدى، مثل مرونة سعر الصرف ورفع أسعار الفائدة لضبط ميزان المدفوعات، بينما يظل عبء اختيار سياسات تضمن نموًا عادلاً ومستدامًا على عاتق الحكومة. ويحذر من أن تكرار نفس الوصفة منذ 2016 دون تغييرات حقيقية في دور الدولة والقطاع الخاص يعني إعادة إنتاج نفس الأزمة مع مستويات دين أعلى.
الدكتورة عالية المهدي تحذر أيضًا من «حلقة مفرغة من الاقتراض»، حيث تتزايد الفوائد والأقساط مع كل قرض جديد، وتتراجع مساحة الحركة أمام الموازنة العامة، ما يهدد بتآكل القدرة على الاستثمار العام المنتج، ويجعل أي صدمة خارجية أكثر كلفة اجتماعيًا.
وفي خطاب أكثر حدة، يرى الدكتور مراد علي، الخبير في الإدارة الاستراتيجية، أن المشكلة ليست في لجوء مصر إلى صندوق النقد فقط، بل في «فلسفة الاقتراض» التي تموّل مشروعات ذات طابع ترفيهي أو سياسي أو غير ذات أولوية، بدل توجيه الموارد المحدودة إلى قطاعات إنتاجية قادرة على خلق عملة صعبة وسداد الدَّين. ويصف هذا النمط بأنه «أقصر طريق لمزيد من التدهور وربما أزمات أكبر لا قبل للبلاد بها».
بهذه الخلفية، تبدو شريحة الـ2.3 مليار دولار من صندوق النقد الدولي خطوة تكتيكية لتدبير سيولة عاجلة وإرسال رسالة ثقة للأسواق، لكنها لا تجيب عن السؤال الجوهري الذي يطرحه اقتصاديون ومعارضون على السواء: من يتحمل فعليًا فاتورة هذا الدَّين المتضخم؟
المؤشرات الحالية توحي بأن الفاتورة تُدفع عبر ضرائب غير مباشرة أعلى، وخفض في الإنفاق الاجتماعي، وانخفاض مستمر في القوة الشرائية للجنيه، ما يعني أن المواطن العادي، وليس المؤسسات التي استفادت من موجات الاقتراض المتتالية، هو من يسدد ثمن برنامج طويل مع صندوق النقد، يَعِدُ بالإصلاح، بينما تزداد أرقام الدَّين تعقيدًا عامًا بعد آخر.

