تعيش إيران لحظة مزدوجة الضغوط؛ فمع تصاعد احتمالات توجيه الولايات المتحدة ضربة عسكرية ثانية لطهران، تتعمق الأزمة الاقتصادية التي أثقلتها العقوبات الأمريكية منذ سنوات، في ظل تضخم مرتفع، وانهيار للعملة، وضعف في الرواتب، انعكس مباشرة على قدرة ملايين الإيرانيين على تجهيز مائدة إفطار بسيطة في رمضان، وفتح باب الحديث عن «جيش من الجياع» قد يتحول في أي لحظة إلى عامل انفجار داخلي ضد النظام الحاكم.

 

عقوبات خانقة وتلويح بضربة جديدة وسط تآكل الاقتصاد

 

تزايد الحديث عن ضربة أمريكية ثانية محتملة ضد إيران مع تصاعد الحشد العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، بما في ذلك الدفع بقوات بحرية وجوية إضافية، بالتزامن مع تشديد لهجة التهديدات السياسية تجاه البرنامج النووي الإيراني، وهو ما يحدث بينما يعيش الاقتصاد الإيراني تحت وطأة عقوبات أعادت تشكيله بشكل قاس منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي في مايو 2018 وإطلاق سياسة «الضغط الأقصى» على طهران.

 

منذ ذلك الانسحاب، أعادت الولايات المتحدة فرض حظر شبه كامل على صادرات النفط الإيرانية، وقيّدت تعامل البنوك الأجنبية مع البنك المركزي الإيراني، واستهدفت قطاعات الشحن والتأمين والنقل البحري، إلى جانب القطاع المصرفي والطاقة والتعدين والخدمات المالية، وصناعات الصلب والألومنيوم، ما أدى إلى هبوط متوسط الصادرات النفطية إلى نحو 487 ألف برميل يوميًا بين عامي 2019 و2020 مقارنة بأكثر من 2 مليون برميل قبل العقوبات، وهو ما قلص مصدر الدخل الرئيسي للدولة وحرَم الموازنة من عملة صعبة حيوية.

 

خلال الشهر الجاري، توسع الضغط بعد تهديد واشنطن بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على أي دولة تواصل تعاملها التجاري مع إيران، ما يعني عمليًا استهداف شركاء كبار مثل الصين والهند، اللتين اعتمدت عليهما طهران في الالتفاف الجزئي على العقوبات، وهو ما يضاعف عزلة إيران الاقتصادية ويقلص هامش المناورة في بيع النفط واستيراد السلع الأساسية، ويدفع كلفة المواجهة المحتملة إلى الداخل الشعبي مباشرة في صورة غلاء وندرة وتآكل مستمر لقيمة الأجور الحقيقية.

 

في ظل هذا السياق، تتحول احتمالات الضربة العسكرية الثانية إلى عامل ضغط إضافي على المجتمع قبل أن تكون ورقة مساومة سياسية، إذ يدرك المواطن العادي أن أي استهداف جديد لقطاع الطاقة أو البنية التحتية سيعني مزيدًا من الانقطاعات، ومزيدًا من ارتفاع الأسعار، ومزيدًا من تآكل القدرة الشرائية التي أضعفتها العقوبات أصلًا، وهو ما يجعل سؤال العلاقة بين النظام والسواد الأعظم من المجتمع أكثر إلحاحًا مع كل تصعيد بين واشنطن وطهران.

 

موائد رمضان الفارغة ومؤشرات «جيش من الجياع»

 

في رمضان الحالي، تحولت تفاصيل الحياة اليومية إلى مرآة حادة لهذه الأزمة؛ مواطنون إيرانيون تحدثوا لـ«المنصة» عن عجز متزايد في تجهيز موائد الإفطار، بعدما بلغ سعر كيلو اللحم بين 600 و700 ألف تومان، أي ما يوازي 6 إلى 7 ملايين ريال إيراني، وهو ما يعادل تقريبًا ما بين 4.5 و5.5 دولار للكيلو، في حين يبلغ متوسط رواتب الموظفين حوالي 15 مليون تومان، أي أقل من 116 دولار شهريًا، بما يعني أن شراء عدة كيلوات من اللحم شهريًا يلتهم نسبة كبيرة من الدخل في بلد ترتفع فيه أسعار بقية السلع بوتيرة أسرع من الأجور.

 

هذان المواطنان اعتبرا أن العجز عن تدبير موائد الإفطار يوميًا لم يعد مجرد مؤشر اقتصادي عابر، بل «جرس إنذار» يمهد لظهور «جيش من الجياع» يمكن أن يتحرك في أي وقت ضد النظام الحاكم إذا استمر الضغط، لأن الجوع يمس الكرامة والقدرة على إعالة الأسرة، خاصة في شهر يرتبط دينيًا واجتماعيًا بفكرة الكرم وكثرة الطعام وتبادل الدعوات، بينما يجد ملايين الإيرانيين أنفسهم أمام موائد فارغة أو شبه فارغة.

 

المواطن الإيراني فؤاد عطية بور وصف الأوضاع الداخلية بأنها باتت ضاغطة على الشعب بشكل «لا يمكن تحمله»، مع ارتفاع الأسعار ووصول سعر رغيف الخبز الواحد إلى نحو ألف تومان، وعدم كفاية المرتبات المحسوبة في متوسطها عند 15 مليون تومان لتغطية أبسط الاحتياجات اليومية للأسرة، ما يدفع الكثيرين إلى الاقتراض أو تقليل الوجبات أو التضحية ببنود كاملة من غذائهم اليومي.

 

كشف عطية بور أن عددًا من الأسر يعتمد اليوم على التحويلات التي تأتي من أبنائها في الخارج رغم صعوبة العملية بسبب الحصار المفروض على البنوك الإيرانية؛ فإرسال الأموال عبر القنوات المصرفية الرسمية أصبح شبه مستحيل، ما يدفع العائلات للالتجاء إلى طرق أخرى غير رسمية لتحويل الأموال إلى الداخل، مع ارتفاع مخاطر التعرض لعمليات احتيال أو خسائر بسبب سعر الصرف الموازي، في تجسيد لكيفية اتصال العقوبات بالاقتصاد العائلي في تفاصيله الصغيرة.المواطن مهدي أوغابي اتفق مع هذه الصورة، معتبرًا أن «موائد الإيرانيين الفارغة باتت وقودًا لجيش من الجياع»، ومؤكدًا أن الوضع الاقتصادي لم يعد مجرد تضخم بالمعنى التقليدي، بل «انهيار اقتصادي ممنهج» حيث تتغير أسعار السلع كل ساعة تقريبًا لا كل شهر أو سنة، بما يجعل التخطيط المالي للأسر شبه مستحيل، ويحول أي راتب إلى رقم بلا قيمة تقريبًا مع مرور أيام قليلة من الشهر.

 

أوغابي أشار إلى أن الخبز الذي كان يُعتبر «الخط الأحمر» وقوت الفقراء الأخير، شهد قفزات غير مسبوقة في أسعاره، حتى في حال توفره بالسعر الحكومي المدعوم، بينما تضاعف سعره عدة مرات في السوق الحرة، ما يعني أن آخر شبكة أمان غذائي للفقراء أصبحت مهددة، في بلد تشير تقديرات رسمية إلى معدل تضخم يقارب 50%، بينما ترفعه تقديرات السوق إلى حدود 60% أو أكثر.

 

العملة الإيرانية واصلت بدورها التراجع الحاد؛ إذ هبطت قيمتها بنحو 75% تقريبًا خلال العام الأخير، لتقترب من حدود 1.3 مليون ريال مقابل الدولار الواحد، وهو ما ينعكس فورًا على أسعار السلع المستوردة وعلى تكلفة الإنتاج المحلي، ويُدخل الأسر في حلقة مفرغة من الغلاء، ويحوّل أي زيادة اسمية في الأجور إلى رقم مستهلك قبل وصوله فعليًا إلى يد العامل أو الموظف.

 

أوغابي لفت أيضًا إلى أن علبة الجبن التي تزن 400 جرام، وكانت مكونًا أساسيًا على مائدة الإفطار، تحولت إلى سلعة فاخرة بعد ارتفاع سعرها بنسبة تجاوزت 100% مقارنة بالعام الماضي، بينما تجاوز سعر كيلو اللحم الأحمر 700 ألف تومان في بعض المناطق، أي ما يقارب 7% من الحد الأدنى الرسمي للأجور الذي يبلغ 10 ملايين و400 ألف تومان، ما يجبر الأسر على حذف اللحوم والفواكه وحتى الألبان من قوائم مشترياتها الشهرية.

 

وبحسب حسابات أوغابي، فإن تكلفة إفطار بسيط جدًا لأسرة مكونة من 4 أفراد، يعتمد على الخبز والشاي وقليل من الجبن وبعض التمر، بجانب طبق متواضع خالٍ من اللحوم الحمراء، تبلغ ما يقارب مليون تومان أو أكثر يوميًا، وهو رقم يبتلع معظم راتب الحد الأدنى إذا حاولت الأسرة تكرار هذا الإفطار طوال الشهر، ما يدفع ملايين الإيرانيين إلى تقليص الكميات بشكل حاد، أو الاكتفاء بطبق واحد متواضع، أو الاستغناء عن وجبة السحور تمامًا في كثير من الأيام.

 

ضربة محتملة وحسابات نظام محاصر بين الشارع وواشنطن

 

في ظل هذا المشهد الاقتصادي المضغوط، تبدو أي مواجهة عسكرية جديدة بين الولايات المتحدة وإيران رهينة حسابات أكثر تعقيدًا من مجرد توازن القوى العسكرية؛ الدكتور محمد محسن أبو النور، رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية، يؤكد أن البنية الاقتصادية الحالية تجعل أي مواجهة مكلفة للغاية للنظام، نظرًا لتآكل القدرة الشرائية، وارتفاع التضخم، واتساع الفوارق الطبقية، وهو ما يُخضع أي قرار تصعيدي لحسابات دقيقة تتجاوز لغة الشعارات.

 

أبو النور يرى أن النظام قد يحاول استخدام هجوم أمريكي محتمل لتعزيز التماسك الداخلي، عبر خطاب «الخطر الخارجي» واستدعاء فكرة الحصار والمؤامرة، لكنه يحذر من أن مواجهة عسكرية مفتوحة تستهدف قطاع الطاقة أو البنية التحتية يمكن أن تؤدي إلى ضغوط داخلية غير مسبوقة، لأن الشارع المثقل أساسًا بالأعباء المعيشية قد لا يكون مستعدًا لتحمل كلفة حرب جديدة، خصوصًا إذا طالت آثارها الطاقة والوظائف والدعم المحدود المتبقي.

 

الدكتورة خلود يعقوب، أستاذة الدراسات الإيرانية بجامعة القاهرة، تعتبر أن الضغوط المعيشية هي المحرك الرئيسي للاحتجاجات المستمرة منذ ديسمبر 2025، وتشير إلى أن استمرار الأزمة الاقتصادية يحد من قدرة النظام على تعبئة المجتمع داخليًا إذا توسعت المواجهة العسكرية أو حدث انهيار اقتصادي مفاجئ، لأن شرائح واسعة من الإيرانيين باتت ترى أن السبب الأساسي لمعاناتها مزيج من العقوبات الخارجية وسوء الإدارة الداخلية، لا عاملًا واحدًا فقط.

 

نهاية العام الماضي، تصاعدت احتجاجات بدأت سلمية للمطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية، قبل أن تحمل طابعًا سياسيًا أكثر حدة، وتشهد اشتباكات مع قوات الأمن بعد رفع شعارات تطالب بإسقاط النظام الحاكم، ما أسفر – وفق الرواية المذكورة – عن مقتل آلاف الأشخاص، في مؤشر على حجم التوتر الكامن بين الشارع والسلطة، وعلى مدى هشاشة الاستقرار الاجتماعي تحت الضغوط الاقتصادية المتراكمة.

 

في السادس من فبراير الجاري، بدأت واشنطن مباحثات مع طهران في سلطنة عمان، امتدت لاحقًا إلى جنيف، بهدف استكشاف فرص التوصل إلى اتفاق يحد من التوترات القائمة، في ظل تهديدات أمريكية وإسرائيلية بتوجيه ضربة «قاسية» لإيران إذا أصرت على استكمال برنامجها النووي، ورغم ذلك تواصل الولايات المتحدة الدفع بقوة عسكرية هي الأكبر التي تصل إلى الشرق الأوسط منذ سنوات، تحسبًا لضربات محتملة ضد النظام الإيراني، بينما تتوعد طهران بالرد على أي هجمات.

 

تنفيذ واشنطن وعيدها يعني موجة ثانية من الضربات خلال أشهر قليلة، بعدما كانت الولايات المتحدة قد شاركت في غارات جوية على إيران خلال الحرب التي خاضتها الأخيرة مع إسرائيل في يونيو الماضي، وقالت وقتها إن الهدف هو «ردع طهران عن تطوير برنامجها النووي»، في حين ردت إيران بإطلاق صواريخ على قاعدة العديد الجوية الأمريكية في قطر، قبل أن يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتفاقًا لإنهاء حرب استمرت 12 يومًا، في مشهد كشف أن أي مواجهة بين الطرفين لا تبقى محصورة داخل الحدود الإيرانية، بل تمتد آثارها إلى الخليج والمنطقة بأكملها.

 

اليوم، ومع استمرار العقوبات، وتراجع العملة، وغلاء موائد رمضان، وتزايد الحديث عن ضربة ثانية محتملة، يبدو أن النظام الإيراني يواجه معركة على جبهتين في آن واحد؛ جبهة خارجية مع واشنطن وحلفائها، وجبهة داخلية مع مجتمع يزداد فقرًا واحتقانًا، فيما تبقى النتيجة النهائية لهذه المعادلة مرهونة بقدرته على تجنب انفجار اقتصادي أكبر قد يحوّل «جيش الجياع» من وصف مجازي إلى واقع سياسي في الشوارع الإيرانية.