قدّم إبراهيم عيسى نفسه في هجومه الأخير على أنه «حساس» يعمل كـ«sensor» يرصد تأثير الدراما على وعي المجتمع، مهاجمًا ما يسميه «الدراما المحلية» بوصفها نموذجًا لخطاب فني متخشب، يخلط بين الوعظ والتسلية، ويقدّم صورة مصطنعة للتدين لا تعكس – في رأيه – واقع المجتمع ولا أسئلته، ولا تصنع فنًا قائمًا على صراع وشخصيات ولحظات إنسانية حقيقية.

 

ويرى عيسى أن المشكلة ليست في تناول الدين داخل الفن بحد ذاته، بل في تحويل المسلسلات إلى منابر دعوية تستعيد خطاب الخطب، وفي استسهال إنتاج أعمال ترضي السلطة أو الجمهور المحافظ على حساب الجودة، معتبرًا أن هذه الصيغة لا تصنع وعيًا ولا تترك أثرًا، بل تعيد تدوير شعارات أخلاقية جاهزة تُستخدم بديلًا عن دراما حقيقية تتعامل مع التعقيد بدل التبسيط المباشر.

 

امتد الهجوم ليشمل الدراما التي تنتجها الدولة أو شركاتها التابعة لمحاربة الإخوان، إذ وصفها عيسى بأنها أعمال فاشلة تبتلع «ملايين الدولارات» في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة مالية خانقة وتضخم ديون غير مسبوق، معتبرًا أن هذه المسلسلات تحولت إلى «ملهاة عبثية» تُقدَّم بسطحية وبأداء هزلي، فتغدو مادة للسخرية بدل أن تكون وسيلة للتأثير أو الإقناع، وتعتمد على معالجة أمنية ضيقة لا يصدقها الجمهور، وعلى ممثلين يتقاضون الملايين مقابل أعمال لا تغيّر رأيًا ولا تصنع وعيًا.

 

الناقد الفني طارق الشناوي كان قد انتقد بدوره تشكيل «اللجنة العليا لإنقاذ الدراما» برئاسة وزير الثقافة، معتبرًا أن أزمة الدراما أعمق من مجرد استبعاد النقابات، وأن الفن لا يُصلَح عبر لجان مغلقة أو تعليمات فوقية، بل بتحرير الصناعة من الرقابة الذاتية وتناول قضايا جادة تعكس المجتمع الحقيقي لا الصورة الرسمية عنه.

 

معركة الأفكار والهويّة: رضوان جاب الله وتشكيك في مرجعيات الخطاب

 

الأكاديمي رضوان جاب الله علّق على طرح إبراهيم عيسى في مقال بعنوان «#إبراهيم_عيسى_يهاجم_دراما_الحكومة»، موجّهًا كلامه لصنّاع الدراما بأن الطريقة الحالية في «محاربة الإخوان» سطحية وتمكّن لعودتهم أسرع مما يتصور البعض، لأن إنتاج مسلسل كل رمضان لإرضاء بعض المسئولين أو لتنفيس مشاعر الكراهية لن يغيّر قناعات الناس، ما دامت المعركة تُدار في مستوى الشعارات لا في مستوى الأفكار المؤسسة.

 

جاب الله رأى أن المواجهة الحقيقية مع الإسلاميين تمر عبر نقد الفكرة الأصلية التي يستندون إليها، لا الاكتفاء بالفروع، متسائلًا إن كانت الدراما تجرؤ فعلًا على مناقشة مفهوم الخلافة الإسلامية، أو علاقة الدين بالسياسة، أو إعادة النظر في الهالة المقدسة حول رموز التراث مثل البخاري ومسلم والشافعي وابن حنبل، معتبرًا أن أي مواجهة فكرية جادة تبدأ من هذه الأسئلة، لا من مسلسلات تُكتب على عجل لتثبت الولاء للسلطة أو لمزاج عام.

 

وختم جاب الله بالإيحاء إلى أن مقترحات إبراهيم عيسى تبدو – في رأيه – متأثرة بأدبيات مراكز بحث غربية وصهيونية، أو على الأقل تعكس اطلاعًا على مطابخها الفكرية، بسبب طبيعة الأسئلة التي يدعو إلى طرحها وحدّة اتجاهها، ما يربط بين معركة داخلية على الدراما وخطابات أوسع حول «إصلاح» الدين وإعادة تشكيل الهوية الدينية وفق أجندات لا تنفصل عن مصالح إقليمية ودولية.

 

في الخلفية، تؤكد الناقدة ماجدة خير الله أن أزمة الدراما لا تقتصر على خطاب «محاربة الإخوان»، بل تمتد إلى الأداء والكتابة والإخراج، إذ انتقدت في مواسم سابقة مسلسلات شعبية اعتبرت أن الصوت العالي والأداء المتشنج والعيون الجاحظة لا علاقة لها بالتمثيل، وأن هذا الأسلوب يدفع الجمهور للسخرية من الأعمال ويعتبرها إهدارًا للوقت والمال العام والسمعة الفنية، ما يعني أن جزءًا من الفشل مرتبط بضعف الحرفة قبل السياسة.

 

السيسي و«المتحدة» وخدمة توصيل الدراما: إدارة أمنية وصناعة مأزومة

 

وفق ما نقله يوسف حامد، أصبح معيار الحكم على العمل الفني في أوساط المنتجين والكتّاب مرتبطًا بجملة واحدة: «السيسي بيتفرج؟»، في إشارة إلى أن أعين صنّاع الدراما معلّقة برد فعل الرئيس أكثر من تعلقها بالمشاهد، بينما ترى الناقدة ابتسام سلامة أن جوهر الأزمة يعود إلى نمط إدارة الإعلام نفسه، حيث تتحوّل ملاحظات السيسي على الدراما أو البرامج إلى أوامر إنتاجية فورية تُنفَّذ مهما كانت التكلفة أو الجدوى، ما أفرز أعمالًا ضخمة بلا عائد، وأدخل المؤسسات في حالة خوف دائم من أي تعليق رئاسي، حتى لو تعلق بمظهر مذيع أو محتوى برنامج ترفيهي.

 

سلامة تشير إلى أن تصريحات السيسي في أبريل 2025، حين أبدى استياءه من مستوى دراما رمضان واعتبر أنها لا تعكس «المعدن الحقيقي» للمجتمع المصري، جاءت بينما كانت «المتحدة» تعيش اضطرابًا منذ إبعاد اللواء عباس كامل عن إدارة المخابرات في يناير، وما تبعه من تغييرات طالت مسئولين عن ملف الإعلام والدراما، وعلى رأسهم العميد أحمد شعبان، قبل أن تتحول ملاحظات الرئيس سريعًا إلى قرارات بتشكيل مجموعة عمل جديدة، وإعادة تشكيل لجنة الدراما بالمجلس الأعلى للإعلام، وتأسيس لجان أخرى داخل «المتحدة» والجامعات والهيئات الرسمية، في مشهد رآه كثيرون تضخمًا بيروقراطيًا وارتباكًا تنظيميًا أكثر مما هو خطة واضحة.

 

وتنقل سلامة عن مصادر داخل «المتحدة» أن جهات حكومية واقتصادية كبرى – من بينها بنك مصر والبنك الأهلي وشركات اتصالات – أوقفت بالفعل إعلاناتها على مسلسلات تعرضها قنوات «mbc» بعد حديث السيسي، في خطوة بدت أقرب إلى مبادرات استباقية لإرضاء السلطة لا قرارات رسمية، لكنها كشفت حجم الارتباك داخل المنظومة وهشاشة «المتحدة» حين تواجه نفوذًا ماليًا وسياسيًا أكبر، خاصة مع حديث الرئيس نفسه عن أن الإعلام الذي يريده يحتاج تمويلًا بين 20 و30 مليار جنيه سنويًا، في وقت لا تغطي فيه الإيرادات جزءًا من ذلك.

 

الخبير الإعلامي د. ياسر عبد العزيز يلفت في مقالاته إلى أن الدولة تعاني «فجوة في الاتصال السياسي»، وأن الإعلام العام، حين تديره السلطة، يجب أن يعكس المصالح والرؤى المختلفة في المجتمع ويقدم أداءً راقيًا ومتعدد الأصوات، حتى لا يتحول إلى ما يشبه «شرطة أفكار» تدافع عن صورة رسمية واحدة وتُقصي غيرها، وهو ما يجعل إدارة الدراما عبر التعليمات واللجان مغامرة تزيد من تآكل الثقة بدل استعادتها.

 

«خدمة توصيل الدراما».. سليم عزوز ينتقد إمبراطورية فاشلة ونجومًا من ورق

 

في مقاله «فشل الدراما المصرية.. لا تسأل عن المدني هنا!»، يرى الكاتب سليم عزوز أن الإعلام المحلي يواصل سقوطه بينما يحاول مقدمو البرامج الكبرى صناعة حالة احتفاء زائفة بالمسلسلات الهابطة، عبر حلقات مطوّلة مع الممثلين لتبرير أعمال تافهة يتقاضى أبطالها الملايين، رغم اعتراف رأس النظام نفسه بفشل الدراما التي تُدار تحت إشرافه المباشر، حتى بدا وكأنه «سيناريست مصر الأول» وهو يتحدث عن «الاختيار» كأنه مؤلفه، ويوجه الكتّاب والمخرجين على الهواء.

 

عزوز يلفت إلى أن الدراما المصرية لم تعد تُباع في الخارج ولا تحقق أرباحًا حقيقية، بينما تحولت الدراما التركية إلى مصدر دخل قومي لبلدها، ومع ذلك يواصل السيسي – الذي وصفه الشيخ حازم أبو إسماعيل سابقًا بأنه «ممثل عاطفي» – التدخل في «الخلطة» بدل ترك الصناعة لأهلها، في وقت يشكو فيه فنانون كبار من البطالة والإقصاء، بينما تُصنع نجومية مصطنعة لكومبارس سابق أو ممثل محدود الموهبة، وتُفرض أعمال بلطجة لسنوات، ثم يُسأل صناعها فجأة: «بتعلموا الناس إيه؟».

 

ويعتبر عزوز أن نموذج المخرج محمد سامي، الذي مُنح سلطة شبه مطلقة كمخرج ومؤلف وصاحب «مدرسة» خاصة، بينما تُفرض زوجته بطلة رغم الانتقادات لموهبتها، يلخص ما يسميه «الجمهورية الجديدة» التي تصنع نجومًا من العدم وتحوّل العائلات الصغيرة إلى شبكات نفوذ داخل الصناعة، وفي القلب من ذلك نموذج علا الشافعي، التي جُمعت لها – وفق طرحه – مناصب لا يجمعها شخص واحد في صناعة صحية: من رئاسة تحرير، إلى عضوية المجلس الأعلى للإعلام، إلى مواقع داخل لجان الدراما والإنتاج.

 

في المقابل، يؤكد نقاد مثل طارق الشناوي وماجدة خير الله أن إنقاذ الدراما لا يكون بزيادة قبضة الدولة أو توسيع نفوذ اللجان، بل بعودة منطق الصناعة إلى أهلها، وفصل الحسابات الأمنية والرسائل الدعائية عن منطق الفن والابتكار، لأن استمرار الإدارة الحالية، في رأيهم، يكرّس نموذج «خدمة توصيل الدراما» من الأجهزة إلى الشاشة، بدل أن تكون الدراما تعبيرًا حرًا عن مجتمع متنوع، يعيش تناقضاته على الشاشة بدل أن تُحذف لصالح صورة واحدة تُكرَّر كل موسم.