تتداول صفحات محلية أن محافظ بورسعيد قرر صرف 50 مليون جنيه لتسريع وتيرة إنشاء إستاد النادي المصري الجديد والالتزام بالبرنامج الزمني المحدد. من حيث المبدأ، لا أحد يعادي الرياضة أو يستخفّ بقيمة النادي المصري في وجدان المدينة؛ لكن المشكلة أن القرارات التي تتدفق بسرعة نحو المشروعات “المصوّرة” نادرًا ما نراها بنفس الحسم عندما يتعلق الأمر بالمياه والمستشفيات والمدارس أي بما يبقي الناس أحياء وبكرامة.

 

هنا يبدأ السؤال الذي لا تريد السلطة سماعه: لماذا يصبح “الالتزام بالبرنامج الزمني” مقدسًا في مشروع استاد، بينما لا يوجد برنامج زمني محترم—ولا حتى اعتراف صريح بأن مياه الشرب لا تصل بانتظام إلى مناطق كثيرة؟ ولماذا تتحول الصحة والتعليم إلى ملفات “تحت الدراسة” بينما يُفتح الصرف فورًا حين يتعلق الأمر بمشروع قادر على تقديم صورة دعائية جذابة؟ هذه ليست إدارة مدينة؛ هذا تسويق سياسي يلبس ثوب الإدارة.

 

أهل بورسعيد: نريد مستشفى ومدرسة ومياه قبل الخرسانة والمقاعد

 

أصوات الأهالي التي تظهر في النقاشات المحلية لا تقول “لا للاستاد”، بل تقول: رتّبوا الأولويات. المواطن الذي لا يجد مياه شرب في بيته في أوقات متكررة لا يعنيه أن يكون هناك استاد “حديث” بقدر ما يعنيه أن يجد ماءً نظيفًا بلا انقطاع.

 

والمريض الذي يطوف بين أقسام مكتظة أو خدمات ناقصة لا تعوّضه منصة VIP ولا بوابات إلكترونية. والطالب الذي يجلس في فصل مزدحم أو مدرسة منهكة لا يستفيد شيئًا من “مشروع قومي” طالما أن المدرسة نفسها تُدار بعقلية الحد الأدنى.

 

المفارقة أن السلطة تعرف أن ملعبًا جديدًا يصنع ضجة، ويجلب كاميرات، ويتيح افتتاحات وخطبًا وصورًا “لإنجاز يُرى”. أما محطة رفع أو شبكة مياه أو تطوير قسم طوارئ—فتلك إنجازات لا تصنع هتافًا ولا تُكسب حاكمًا تصفيقًا سريعًا. ولهذا تُترك. هذه هي جريمة الأولويات: أن تُدار الخدمات العامة بمنطق “ما يلمع أولًا”، ثم يُطلب من الناس أن تشكر على فتات الخدمة وكأنها منّة.

 

انتقاد مباشر للمحافظ والحكومة: دولة تُنفق على المشهد وتبخل على الحياة

 

المسؤول هنا ليس “الفكرة”، بل العقلية التي يدير بها المحافظ ومعه حكومة الانقلاب موارد الدولة. عندما تتوفر 50 مليون جنيه لتسريع استاد، فهذا يعني أن المال موجود عندما تريد السلطة أن تُظهر نفسها قوية ومنجزة. لكن حين يطالب الناس بمياه تصل بانتظام، وبمستشفيات تُعامل المواطن كإنسان لا كرقم، وبمدارس آدمية، يصبح الخطاب فجأة عن “الظروف” و”الميزانيات” و”المرحلة” و”التحديات”.

 

هذا النمط ليس صدفة؛ إنه أسلوب حكم: إدارة بالشعارات والافتتاحات بدلًا من إدارة بالخدمة العامة والمحاسبة. المحافظ الذي يختار أن يضع ثقله المالي والسياسي في مشروع واحد لامع بينما تتكرر شكاوى المياه، هو محافظ يطلب من الناس أن يعيشوا على الوعود. والحكومة التي تسمح بهذه المعادلة وتكررها في كل محافظة، هي حكومة لا تعتبر المواطن أولوية، بل تعتبره متلقيًا صامتًا يجب تهدئته بخطاب “بنينا وافتتحنا”.

 

ثم تأتي الكارثة الأكبر: غياب الشفافية. أين خطة واضحة بأرقام وجداول زمنية لتحسين مياه الشرب؟ أين إعلان تفصيلي بما سيذهب للصحة والتعليم مقارنة بالمشروعات الاستعراضية؟ وأين آليات المساءلة إذا فشل التنفيذ؟ حين تختفي الإجابات، يصبح صرف الملايين على الواجهة ليس “تنمية” بل “تلميعًا” مدفوعًا من جيب الناس.

 

وأخيرا فان إنشاء استاد جديد للنادي المصري حق مشروع، لكن تحويله إلى أولوية مطلقة وسط أزمات مياه وصحة وتعليم هو اختلال لا يليق ببورسعيد ولا بأهلها. المدينة لا تحتاج واجهة أجمل بقدر ما تحتاج حياة أفضل. وإذا كان المحافظ وحكومة الانقلاب يريدون احترام الناس، فليبدأوا بما يطالب به الناس فعلًا: ماء يصل، ومستشفى يحترم، ومدرسة تربي وتعلم قبل أي صورة افتتاح وأي مقعد في مدرج.