ينما ينتظر ملايين الموظفين قرارًا واضحًا برفع الحد الأدنى للأجور لتحسين دخولهم المتآكلة بفعل التضخم، أعلن رئيس وزراء الانقلاب مصطفى مدبولي أن الزيادة «غير الاعتيادية» في المرتبات ستُرحّل لتُضم ضمن مشروع موازنة العام المالي 2026–2027، ما يعني عمليًا أن شرائح واسعة من العاملين بأجر، داخل وخارج الجهاز الإداري، ستواصل تحمّل موجات الغلاء الحالية حتى يوليو المقبل دون تغيير في الرواتب الأساسية، في مقابل حزمة حماية اجتماعية مؤقتة لا تشمل الجميع، وتترك سؤال القدرة على الصمود مفتوحًا حتى لحظة بدء تطبيق الزيادات الجديدة التي لم تُعلن نسبها أو تفاصيلها بعد.

 

حزمة نقدية قبل رمضان.. أرقام كبيرة لا تغطي كل من تضرر من الغلاء

 

الحكومة قدمت حزمة اجتماعية قالت إن تكلفتها تبلغ 40.3 مليار جنيه، تبدأ قبل شهر رمضان، وتستهدف، بحسب العرض الرسمي، دعم الفئات الأكثر فقرًا وهشاشة عبر مسارات نقدية وخدمية؛ إذ تشمل 400 جنيه إضافية لـ10 ملايين أسرة مقيدة على البطاقات التموينية خلال شهري مارس وأبريل 2026، أي 800 جنيه للأسرة في شهرين بتكلفة 8 مليارات جنيه، إلى جانب 400 جنيه إضافية لـ5.2 مليون أسرة مستفيدة من برنامج «تكافل وكرامة» خلال رمضان والعيد، بتكلفة تقدر بـ4 مليارات جنيه، وهو ما يعني توجيه جزء معتبر من الحزمة إلى دعم مباشر قصير الأجل مرتبط بموسم محدد.

 

كما تتضمن الحزمة 300 جنيه إضافية لـ45 ألف مستفيد من معاش الطفل والرائدات الريفيات، في شريحة عددية أقل لكنها بالغة الهشاشة، إلى جانب 3 مليارات جنيه لإنهاء قوائم انتظار المرضى والحالات الحرجة، و3 مليارات أخرى لزيادة مخصصات العلاج على نفقة الدولة، و3.3 مليار جنيه لتبكير دخول التأمين الصحي الشامل بمحافظة المنيا، و15 مليار جنيه لمبادرة «حياة كريمة»، و4 مليارات جنيه لزيادة سعر توريد إردب القمح المحلي، وهو ما يعكس محاولة الجمع بين دعم نقدي سريع، وإنفاق اجتماعي وخدمي متوسط الأجل، واستجابة جزئية لمطالب الفلاحين بتحسين سعر التوريد.

 

هذه الأرقام تبدو، على الورق، ضخمة ومتشعبة، لكنها تظل محصورة في شريحة محددة من المواطنين تستفيد من البطاقات التموينية أو برامج الدعم النقدي المشروط، بينما توجد فئات واسعة من العاملين، خصوصًا في القطاع الخاص غير الرسمي، لا تشملهم هذه المسارات ولا يحصلون في الوقت نفسه على حد أدنى فعلي للأجر يمكن أن يحميهم من موجات الغلاء المتتابعة، ما يجعل تأثير الحزمة على صورة الفقر والدخل في المجتمع محدودًا إذا قيس بعدد من يعيشون فعليًا تحت ضغط الأسعار وتراجع القيمة الحقيقية للجنيه.

 

تأجيل زيادة الأجور وحدّ أدنى غير كافٍ.. بين رؤية الحكومة وتحذيرات المؤسسات الدولية والحقوقية

 

في المؤتمر الصحفي نفسه، أكد مصطفى مدبولي أن قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي وجّه الحكومة بإقرار زيادة «غير اعتيادية» في الأجور مع أولوية للمعلمين والعاملين بالقطاع الطبي، لكن ربط تنفيذ ذلك بإدراج الزيادة ضمن موازنة العام المالي الجديد، ما يعني تأجيلًا تلقائيًا لبدء الصرف حتى يوليو 2026، في وقت يقول فيه موظفون وعاملون بأجر إنهم لم يعودوا قادرين على انتظار تعديلات سنوية تأتي متأخرة عن موجات ارتفاع الأسعار، وتصل غالبًا بنسبة أقل من معدل التضخم الفعلي الذي يلتهم أي زيادة بمجرد حصولها.

 

تقديرات مؤسسات دولية تضيف بعدًا آخر للصورة؛ فالبنك الدولي أشار، في تقارير حديثة عن مصر، إلى أن التضخم وارتفاع أسعار الغذاء أصابا مباشرة القدرة الشرائية للأسر محدودة الدخل، وطالب بتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية لحماية الفئات الأكثر هشاشة من الانزلاق المتواصل نحو الفقر، فيما شدد صندوق النقد الدولي، في مراجعاته لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، على أهمية تعزيز الدعم الموجه للفئات الأولى بالرعاية بالتوازي مع إصلاحات المالية العامة، ما يعني أن الشركاء الدوليين يدركون حجم الضغط على الدخول، لكن توصياتهم تظل في إطار عام، تُترجم محليًا إلى حزم مؤقتة لا تغيّر هيكل الأجور ولا تضمن ربطه بتطور الأسعار.

 

على المستوى المحلي، لفتت «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية» في بيانات سابقة إلى أن اتساع فجوة الدخول وارتفاع الأسعار يتطلبان سياسات أكثر استدامة لرفع الأجور الحقيقية، وليس الاكتفاء بالدعم النقدي الموسمي، مؤكدة أن الدعم المؤقت قد يخفف من حدة الأزمة في شهر أو اثنين، لكنه لا يعالج جذور المشكلة، وهي تآكل الأجر الأساسي أمام تضخم لا يتوقف، وغياب آلية واضحة تربط الحد الأدنى للأجور بتغيرات الأسعار، بما يحفظ الحد الأدنى من الكرامة المعيشية للعاملين في القطاعين العام والخاص.

 

من جهته، طالب «المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية» في مداخلات وتقارير متتالية بربط الحد الأدنى للأجور بمعدلات التضخم، بحيث تكون هناك آلية تلقائية لتعديل الأجر كلما تجاوز التضخم مستوى معينًا، بدلًا من ترك قرار الزيادة لتقدير سياسي أو ظرف موسمي مثل رمضان أو الأعياد، لأن هذا النمط يخلق حالة عدم يقين لدى الأسر العاملة، ويحول الأجر إلى متغير تابع للحزم الاستثنائية وليس لمجهود العامل أو احتياجاته الفعلية، وهو ما يقلل من جدوى أي إعلان عن «زيادة غير اعتيادية» ما لم تكن هناك قاعدة ناظمة تحكم علاقة الأجر بالتضخم.

 

دعم مؤقت وأجور مؤجلة.. قدرة المواطن على الصمود حتى يوليو تحت الاختبار

 

من زاوية تحليلية، يمكن القول إن الحكومة اختارت الجمع بين مسارين متوازيين: حزمة دعم نقدي وخدمي قصيرة الأجل قبل رمضان لامتصاص الغضب واحتواء آثار الغلاء في شهر حساس اجتماعيًا، ثم وعد بزيادة كبيرة في الأجور تُرحّل إلى الموازنة الجديدة بحجة ضبط العجز المالي وترتيب أولويات الإنفاق، لكن النتيجة على مستوى المواطن محدود الدخل تعني شيئًا واحدًا؛ عليه أن يعتمد خلال الأشهر الفاصلة على مبلغ إضافي مؤقت، إن كان داخل مظلة الدعم، أو أن ينتظر بلا دعم مباشر إن لم يكن ضمن المستفيدين، إلى أن تبدأ الزيادة الفعلية في الرواتب، التي لا يعرف بعد حجمها الحقيقي وما إذا كانت ستعوض تآكل دخول السنوات الماضية.

 

خبراء اقتصاد يشيرون إلى أن قيمة 400 جنيه شهريًا، حتى لو اعتُبرت إضافة مرحبًا بها، لا تكفي لتعويض ارتفاع أسعار سلع أساسية مثل اللحوم والزيوت والحبوب والخدمات، خاصة عند الحديث عن أسرة من عدة أفراد، تعاني أصلًا من فجوة بين دخل ثابت ومتطلبات معيشة تتغير كل أسبوع تقريبًا في بعض الأسواق، ما يجعل الدعم المؤقت أقرب إلى مسكن موضعي في مواجهة مرض مزمن يتمثل في انخفاض الأجر الحقيقي، وضعف هيكل الأجور في القطاعين العام والخاص، وغياب حماية حقيقية للفئات التي لا تستفيد من البطاقات التموينية أو برامج كـ«تكافل وكرامة».

 

في المقابل، تستند الحكومة في تبريرها لتأجيل زيادة الأجور إلى اعتبارات عجز الموازنة وضرورة عدم ضخ زيادات كبيرة في كتلة الأجور قبل ترتيب موارد تغطيها، حتى لا تؤدي إلى تضخم إضافي، لكن هذا المنطق المالي يصطدم بواقع اجتماعي يزداد هشاشة، حيث تشير تقديرات مستقلة إلى أن نسبة كبيرة من العاملين بأجر لا تصل أصلًا إلى الحد الأدنى الذي تعلنه الدولة، وأن جزءًا معتبرًا من قوة العمل ينشط في اقتصاد غير رسمي لا تبلغه الحزم ولا تحميه تشريعات الأجور أو شبكات الحماية الاجتماعية الرسمية.

 

في النهاية، تبدو حزمة الـ40.3 مليار جنيه محاولة لشراء وقت اجتماعي حتى يوليو، أكثر منها معالجة هيكلية لاختلال علاقة الأجر بالأسعار؛ فبين دعم نقدي مؤقت لا يشمل الجميع، ووعد بزيادة «غير اعتيادية» مؤجلة إلى الموازنة الجديدة دون تفاصيل واضحة، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة ملايين المصريين من أصحاب الدخول المحدودة على تحمل الشهور المقبلة، في ظل تضخم مرتفع وتكاليف معيشة لا تتوقف عن الصعود، بينما تظل سياسات ربط الأجور بالتضخم وتوسيع شبكة الحماية المستدامة مؤجلة لصالح حزم موسمية واستجابات جزئية تحت ضغط المواسم والأزمات.