أعلنت حكومة قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي حزمة اجتماعية استثنائية تتجاوز 40 مليار جنيه، تمتد من قبيل شهر رمضان وحتى نهاية العام المالي في 30 يونيو ، تستهدف بحسب رئيس الوزراء مصطفى مدبولي نحو 15 مليون أسرة فقيرة ومحدودة الدخل، على أن يبدأ صرف المساندة فورًا قبل دخول الشهر. وترى الحكومة أن هذه الحزمة تعكس وفورات تم تحقيقها نتيجة تحسن مؤشرات الاقتصاد وتراجع التضخم وأسعار الفائدة وزيادة الموارد الضريبية، بينما يطرح واقع الغلاء الحاد وتآكل الجنيه وأسعار الغذاء سؤالًا مباشرًا حول قدرة هذه المبالغ على حماية الفقراء من الجوع، وليس فقط تحسين الأرقام في بيانات رسمية أو مؤتمرات صحافية متكررة.
حزمة بأربعة محاور وأرقام ضخمة على الورق ودعم محدود في الجيب
تعتمد الحزمة الاجتماعية على أربعة محاور رئيسية، تبدأ بمحور السلع التموينية والدعم النقدي، حيث خصصت الحكومة 400 جنيه لمدة شهرين، أي 800 جنيه تعادل نحو 17 دولارًا فقط، كدعم إضافي للأسر الأكثر فقرًا خلال رمضان وعيد الفطر، لصرفها عبر بطاقات التموين من منافذ وزارة التموين، بتكلفة تقديرية تبلغ 8 مليارات جنيه، وهو ما يغطي 10 ملايين أسرة فقيرة تقريبًا تضم حوالي 25 مليون مواطن، إضافة إلى 5 ملايين أسرة أخرى مسجلة في برنامج «تكافل وكرامة» تحصل على القيمة نفسها، بما يجعل إجمالي المستفيدين 15 مليون أسرة لكن بقيمة دعم موسمي وقصير الأجل.
وتشير تفاصيل الحزمة إلى تخصيص 300 جنيه لمدة شهرين للرائدات الريفيات وفق بيانات هيئة الرقابة الإدارية، في محاولة لإظهار شمول الفئات العاملة في الريف ضمن دوائر الاستهداف، غير أن قيمة المبلغ مقارنة بمستويات الأسعار الحالية تطرح تساؤلات حول جدواه الفعلية، خاصة إذا ما قورن بتكلفة سلة غذاء أساسية لأسرة متوسطة في ظل تضخم غذائي متكرر، وهو ما يدفع منتقدين إلى وصف الحزمة بأنها أقرب إلى منحة رمزية موسمية منها إلى برنامج حماية اجتماعية مستدامة يغير فعليًا من قدرة الأسر على مواجهة الغلاء.
المحور الثاني موجه لقطاع الصحة، ويتضمن 3 مليارات جنيه إضافية للعلاج على نفقة الدولة، ومبلغًا مماثلًا للقضاء على قوائم الانتظار للتدخلات الجراحية الحرجة، إلى جانب 3 مليارات أخرى لتبكير دخول محافظة المنيا إلى منظومة التأمين الصحي الشامل بحلول إبريل المقبل، وهي خطوات تراها الحكومة توسعًا في مظلة الرعاية الصحية، بينما ينبه خبراء إلى أن الأرقام تظل محدودة قياسًا بحجم الفجوة التمويلية في قطاع الصحة العام، وحجم الطلب المتزايد على الخدمات نتيجة تدهور الدخول وارتفاع كلفة العلاج في القطاع الخاص.
أما المحور الثالث فيتعلق بدعم المزارعين عبر إضافة 4 مليارات جنيه لتغطية فروق أسعار توريد القمح من الفلاحين إلى الحكومة، بعد زيادة سعر التوريد مع اقتراب موسم الحصاد بين إبريل ويونيو، في محاولة لامتصاص جزء من أثر تراجع الجنيه وارتفاع تكلفة الأسمدة والنقل، بينما يذهب المحور الرابع إلى مبادرة «حياة كريمة» لتطوير قرى الريف عبر تخصيص 15 مليار جنيه لإنهاء مشروعات المرحلة الأولى، خاصة في مياه الشرب والصرف الصحي، ما يعني أن جزءًا معتبرًا من الحزمة موجه للبنية التحتية وليس لدخل الأسر مباشرة.
ويصاحب هذه الحزمة توجيه رئاسي بزيادة «غير اعتيادية» في أجور العاملين بالجهاز الإداري في موازنة 2026–2027، مع إعطاء أولوية لرواتب المعلمين والعاملين في الصحة، إلى جانب تعجيل صرف مرتبات شهري فبراير ومارس لتلبية احتياجات رمضان والعيد، كما سبقت هذه الخطوة زيادة معاشات «تكافل وكرامة» لتصل إلى 1032 جنيهًا شهريًا لبعض الفئات، و928 جنيهًا للمسنين وذوي الإعاقة، و722 جنيهًا للأيتام، لكن كل هذه الزيادات تصطدم بواقع تدهور قيمة الجنيه من نحو 7 جنيهات للدولار في 2014 إلى حوالي 47 جنيهًا حاليًا، وهو ما يلتهم جزءًا كبيرًا من أثر أي دعم نقدي أو زيادة في الأجور.
خبراء: دعم نقدي موسمي أمام تضخم مزمن وفقر يتجاوز قدرة البرامج
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد السيد النجار، الرئيس السابق للوحدة الاقتصادية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن مشكلة السياسة الاقتصادية في مصر لا تتعلق فقط بحجم المبالغ المعلنة، بل بتآكل الأجور الحقيقية مع الارتفاع المستمر في الأسعار، محذرًا منذ سنوات من أن أجور العاملين البسطاء لا تكفي لتغطية احتياجات أساسية في ظل سياسات الاعتماد على الديون ورفع الدعم تدريجيًا عن الطاقة والسلع والخدمات الأساسية، وهو ما يضع أي حزمة نقدية موسمية أمام فاتورة غلاء تتجاوز قدرة هذه المبالغ على التعويض.
وتؤكد الدكتورة هبة الليثي، أستاذة الإحصاء بجامعة القاهرة ومستشار الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أن ثلثًا أو أكثر من المصريين يعيشون تحت خط الفقر، مع تركّز الفقر في الريف والصعيد، مشيرة في مناسبات سابقة إلى أن الأسر الفقيرة تقلص استهلاك البروتين والسلع مرتفعة السعر وتتجه إلى كربوهيدرات أقل قيمة غذائية تحت ضغط التضخم، ما يعني أن تحويلات نقدية محدودة لن تغير جذريًا في نوعية الغذاء أو مستوى الأمن الغذائي لفئة واسعة من المواطنين إذا استمر مسار الأسعار الحالي دون ضبط جاد.
وفي سياق أوسع للحماية الاجتماعية في المنطقة، ترى الباحثة الاقتصادية سلمى حسين، المتخصصة في سياسات العدالة الاجتماعية، أن التحويلات النقدية يمكن أن تخفف من حدة الصدمة على المدى القصير لكنها لا تعوّض آثار سياسات التقشف ورفع الدعم إذا ظلت هذه السياسات مستمرة من دون إصلاح ضريبي عادل وسياسات أجور حقيقية، وتلفت في تحليلاتها إلى أن الاعتماد على الدعم النقدي وحده، دون معالجة جذور اللامساواة وغياب العدالة في توزيع الأعباء، يعيد إنتاج الفقر بدل تقليصه، وهو ما يضع الحزم الاستثنائية في خانة إدارة الأزمة لا حلّها.
ويتقاطع هذا التقييم مع واقع الأرقام الواردة في الحزمة الحالية؛ فالدعم الإضافي البالغ 800 جنيه على شهرين، أي 400 جنيه في الشهر، يذهب أساسًا لشراء سلع من منافذ تموينية في وقت تشهد فيه أسعار الغذاء قفزات متتالية، بينما يبلغ عدد الأسر تحت خط الفقر نحو 40% من إجمالي سكان يصل إلى 109 ملايين نسمة، وفق التقديرات الواردة في النص الأصلي، أي أن شبكة الحماية الحالية، رغم التوسع المعلن بالتعاون مع البنك الدولي بقرض 500 مليون دولار لتوسيع برنامج «تكافل وكرامة»، لا تزال تضيق عن استيعاب كل المحتاجين، فضلًا عن تحسين نوعية حياة الفقراء بما يتجاوز مجرد البقاء على حد الكفاف.
بين خطاب الإنجاز وواقع الفقر: هل تعيد الحزمة صياغة العقد الاجتماعي؟
يرى الدكتور زياد بهاء الدين، نائب رئيس الوزراء الأسبق والمفكر الاقتصادي، أن الاقتصاد المصري يحتاج إلى برنامج اقتصادي طويل المدى يعيد تعريف دور الدولة في الحماية الاجتماعية والنشاط الاقتصادي، ويحسم العلاقة مع الديون وشروط المؤسسات الدولية، محذرًا من الاعتماد على إجراءات جزئية قصيرة الأجل دون رؤية متماسكة، لأن ذلك يوسع فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع ويجعل كل حزمة استثنائية أشبه بمسكن مؤقت لا يغيّر من بنية الأزمة الاجتماعية والاقتصادية.
ومن زاوية العدالة الاجتماعية، تشير خبرات النقاشات الرسمية نفسها حول «التحويلات النقدية وتخفيض الفقر» إلى أن هذه الأدوات يمكن أن تكون فعالة فقط عندما تُصمم كجزء من منظومة أوسع تشمل سياسات ضريبية تصاعدية، واستثمارًا في التعليم والصحة، وإعادة توجيه الإنفاق العام لصالح الفئات الأضعف، وهو ما ناقشته ورش عمل حكومية سابقة بحضور خبراء مثل هبة الليثي وآخرين، لكن تطبيق هذه الرؤى على الأرض يظل محدودًا، بينما تتوسع الدولة في مشروعات ضخمة كثيفة رأس المال ذات عائد اجتماعي غير مباشر مقارنة بما تحتاجه شبكة الأمان الاجتماعي من تمويل مستقر وواضح.
وترى الباحثة سلمى حسين أن تجربة مصر في الحماية الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة تعكس تناقضًا بين خطاب رسمي يرفع شعار دعم «الأكثر احتياجًا» وبرامج فعلية تتأثر بشروط صندوق النقد الدولي وسياسات تقشفية، حيث يتم تعويض رفع الدعم والتحرير الجزئي للأسعار بحزم نقدية محدودة، ما يترك الفئات الفقيرة معرضة لموجات جديدة من الغلاء عند كل خفض للدعم أو كل تراجع جديد للجنيه، وتؤكد أن توسيع برنامج «تكافل وكرامة» بالشراكة مع البنك الدولي لا يعالج وحده اتساع الفقر إذا لم يصاحبه تغيير في نمط الأولويات الاستثمارية والإنفاقية للدولة.
في المحصلة، تعلن الحكومة عن 40 مليار جنيه لحماية 15 مليون أسرة قبل رمضان، وتعد بزيادات استثنائية في الأجور وتحسين في الخدمات الصحية ودعم للفلاحين ومشروعات للريف، لكن السؤال يبقى مطروحًا بحدة في ضوء شهادات الخبراء وأرقام الفقر والتضخم: هل تكفي 17 دولارًا في الشهر، مع بعض الزيادات المتفرقة، لسد جوع المصريين أو حماية قدرتهم على حياة كريمة، أم أننا أمام حلقة جديدة من سياسة «طفاية الحريق» التي تلاحق آثار الأزمة بدل تغيير مسارها من الأساس؟

