يعود قانون الإيجار القديم إلى قلب النقاش البرلماني والقضائي معًا، بعدما أعلن النائب عاطف مغاوري عزمه تقديم تعديلات جديدة على القانون رقم 164 لسنة 2025، في توقيت تنظر فيه المحكمة الدستورية العليا طعونًا على دستورية عدد من مواده.
التعديلات المقترحة تستهدف إلغاء مادة الإخلاء بعد سبع سنوات، وإعادة صياغة زيادة القيمة الإيجارية، ومراجعة تقسيم المناطق، وتوحيد جهة التقاضي بين المالك والمستأجر؛ في ملف يمس ما يقدَّر بملايين الوحدات المؤجرة بنظام الإيجار القديم في السوق المصري.
في المقابل، تتمسك دوائر رسمية وقانونية بأن القانون الحالي حقق «توازنًا دقيقًا» بين المالك والمستأجر، وأن أي تعديل متسرّع قد يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر، في ظل استمرار الجدل أمام «الدستورية العليا» حول مدى توافق النصوص مع أحكام سابقة للمحكمة عن الامتداد القانوني لعقود الإيجار.
مغاوري: إلغاء الإخلاء بعد 7 سنوات واستبدال تقسيم «متميزة / اقتصادية»
النائب عاطف مغاوري، عضو مجلس النواب، يصف التعديلات التي أقرها البرلمان في 2025 بأنها «تجاوزت ما يسمح به حكم المحكمة الدستورية في 2002» الذي قصر الامتداد القانوني لعقد الإيجار على الجيل الأول فقط وبضوابط محددة.
مغاوري يقترح إلغاء المادة (2) من القانون 164 لسنة 2025، التي ترتّب إخلاء الوحدات السكنية بعد فترة انتقالية محددة بسبع سنوات، معتبرًا أن ربط الإخلاء بتوفير سكن بديل حمَّل الحكومة التزامًا لن تستطيع الوفاء به، وهو ما تكشفه – بحسب تقديره – شكاوى وصعوبات التسجيل على منصة «السكن البديل».
كما يرفض مغاوري تقسيم المناطق إلى «متميزة – متوسطة – اقتصادية»، ويرى أنه خلق نتائج عكسية؛ إذ يمكن أن يصل إيجار شقة في منطقة «اقتصادية» إلى 2000 جنيه بعد الزيادة، بينما تُلزم شقة في منطقة «متميزة» بالحد الأدنى ألف جنيه فقط، وهو ما يعده إخلالًا بميزان العدالة ومساسًا بمبدأ المساواة بين المواطنين.
في المقابل، يقدّم الدكتور صلاح فوزي، أستاذ القانون الدستوري، قراءة مناقضة؛ إذ يعتبر أن القانون 164 لسنة 2025 «قانون متوازن ومتميز» استجاب لمطلب اجتماعي مزمن، وأعاد ترتيب العلاقة بين المالك والمستأجر بفترات انتقالية وزيادات تدريجية، ويرى أن البرلمان «تحمّل مسؤولية سياسية وتشريعية شجاعة» في تمريره.
هذا التباين بين مشرّع يقترح التراجع عن مادة الإخلاء، وخبير دستوري يدافع عن الإطار القائم، يعكس حجم الانقسام حول ما إذا كان تعديل جديد سيصحح مسار القانون أم يعيد إنتاج عدم اليقين التشريعي والقضائي من جديد.
عدالة القيمة الإيجارية وحق السكن: أرقام القوانين لا تطمئن الشارع
جوهر مقترح مغاوري في شق القيمة الإيجارية يقوم على استبدال تقسيم «المناطق» بمعايير أكثر تفصيلاً: تاريخ إنشاء العقار، تاريخ عقد الإيجار، القيمة الأصلية، وطبيعة المنطقة وقت التعاقد، خاصة في الأحياء التي تحمَّل فيها المستأجرون نفقات خدمات لم تكن متوافرة عند بدء العلاقة الإيجارية.
هذه الرؤية تلتقي مع تحذيرات باحثين في سياسات الإسكان من أن تطبيق زيادات حادة في مدد زمنية قصيرة، مع ربطها بمواعيد إخلاء نهائية، قد يدفع إلى «موجات نزوح غير مسبوقة» من أحياء مركزية إلى أطراف أقل جودة، بما يعمّق التفاوت المكاني والاجتماعي. هذا ما يذهب إليه الباحث يحيى شوكت، الذي ربط في حوار منشور بين مدد الإخلاء في القانون الجديد وضغط محتمل على النسيج العمراني والحق الدستوري في السكن.
في المقابل، تشير تحليلات اقتصادية إلى أن استمرار الإيجارات القديمة في حدود عشرات الجنيهات لوحدات تصل قيمتها السوقية إلى آلاف الجنيهات شهريًا، يمثل «تشوّهًا عميقًا» في سوق العقار، ويُهدر عائدًا استثماريًا على ملايين الأمتار من الوحدات السكنية والتجارية، وهو ما تستخدمه الحكومة وممثلو ملاك العقارات لتبرير التشدد في جداول الزيادات والآجال النهائية للإخلاء.
بين هذين الخطين، يظل سؤال الحق في السكن مطروحًا: إلى أي مدى تراعي الصيغة الجديدة – أو المقترحة – التزامات الدولة الدستورية بضمان سكن ملائم، في الوقت الذي تنقل فيه أعباء تصحيح «تشوّه تاريخي» إلى فئات واسعة من كبار السن وأصحاب الدخول المحدودة القاطنين في وحدات قديمة منذ عقود؟
سكن بديل معطَّل وقضاء يميل لصالح المالك؟
على مستوى التطبيق، لا تقتصر الإشكاليات على نصوص القانون، بل تمتد إلى آليات التنفيذ. النائبة سناء السعيد، عضو مجلس النواب، تؤكد أن الآثار المترتبة على تطبيق قانون الإيجار القديم «فاقت المخاوف» التي طُرحت أثناء مناقشته، وتشير إلى أن منصة التسجيل للحصول على «السكن البديل» تحوّلت إلى «عقبة» أمام الفئات الأضعف: كبار السن، الأرامل، وذوو الإعاقة، في ظل تعقيد إجراءات التسجيل وعدم وضوح مدى توافر وحدات جاهزة بالفعل.
السعيد حذرت أيضًا من أن ربط الإخلاء بوعد سكن بديل غير مضمون التنفيذ، في غياب معلومات شفافة عن عدد الوحدات المتاحة وجدول تسليمها، يفتح الباب أمام قلق واسع من «طرد فعلي دون بديل»، ويحوّل المنصة من أداة حماية إلى مصدر ضغط نفسي وقانوني على المستأجرين.
في جانب آخر، يمنح القانون 164 لسنة 2025 المالك حق اللجوء إلى قاضي الأمور الوقتية لاستصدار أمر وقتي بالطرد في حالات محددة، مع نفاذ فوري للأمر، على أن يلجأ المستأجر المتضرر لاحقًا إلى دعوى موضوعية لا توقف التنفيذ، وهو ما يصفه عدد من خبراء المرافعات بأنه «تحوّل جوهري» في ميزان القوة الإجرائية لصالح المالك.
هذا التصميم الإجرائي هو تحديدًا أحد مواضع انتقاد مقترح مغاوري، الذي يدعو إلى توحيد جهة التقاضي بين المالك والمستأجر، بحيث تُنظر النزاعات أمام قاضٍ واحد وفق إجراءات موضوعية واضحة، بدلًا من مسار «طرد سريع» ثم تقاضٍ لاحق يأتي بعد تنفيذ الإخلاء بالفعل.
في الخلفية، تواصل المحكمة الدستورية العليا نظر طعون متعددة على القانون 164 لسنة 2025؛ بعضها يطالب بوقف تطبيقه جزئيًا أو كليًا لمخالفته مبدأ المساواة والحق في السكن، فيما يرى خبراء دستوريون – ومنهم صلاح فوزي – أن فرص إلغاء القانون بالكامل ضعيفة، وأن الأرجح هو بقاء الإطار العام مع احتمال تعديل بعض المواد التفصيلية فقط.
بين مبادرة مغاوري التشريعية، وتحذيرات يحيى شوكت من نزوح سكني واسع، وانتقادات سناء السعيد لآليات «السكن البديل»، ودفاع صلاح فوزي عن توازن القانون الحالي، تبدو أزمة الإيجار القديم في 2026 أبعد ما تكون عن الحسم؛ ملف مفتوح بين البرلمان والقضاء والحكومة، بينما يظل ملايين المستأجرين والمالكين في انتظار صيغة لا تُسقط حقًا دستوريًا ولا تُبقي على ظلم تاريخي.

