أثار التصريح المنسوب لوزير الصناعة، الذي قال فيه إنه لا يستطيع أن يعد بإقامة مصنع كل يوم، وأن أكثر من 400 مصنع تمت تصفيتها منذ عام 2018 بينما جرى الإعلان عن إنشاء 8000 مصنع لم ترَ النور، صدمة كبيرة في الأوساط الاقتصادية والعمالية.

 

الكلام لا يكشف فقط عن محدودية قدرة الوزارة على تحفيز الإنتاج، بل يفضح أيضًا فجوة واسعة بين الخطاب الرسمي عن “نهضة صناعية” وبين واقع يزداد فيه إغلاق المصانع وتعثرها.

 

في بلد يعاني من أزمة عملة وارتفاع تاريخي في الأسعار وتآكل في دخول المواطنين، يصبح سؤال السياسة الصناعية سؤالًا مباشرًا عن قدرة الدولة على خلق وظائف حقيقية وقيمة مضافة، لا عن إطلاق شعارات أو أرقام دعائية.

 

اعتراف متأخر بفشل وعود التصنيع

 

تصريح الوزير يمثل اعترافًا صريحًا بأن الوعود السابقة بإنشاء آلاف المصانع كانت بلا أساس تنفيذي واضح.

 

الحديث عن تصفية أكثر من 400 مصنع منذ 2018 يتناقض مع الرواية التي روّجتها الحكومة عن “افتتاح مصنع كل يوم” و“ثورة صناعية” تقودها الدولة.

 

إذا كانت الأرقام المعلنة عن إنشاء 8000 مصنع لم تتحقق، فهذا يعني أن المواطن تعرض لحملة ترويج سياسي أكثر منها خطة تنمية حقيقية.

 

هذه الفجوة بين الوعد والتنفيذ ليست مسألة لغوية أو إعلامية فقط، بل تمس مصداقية الدولة لدى المستثمرين والعاملين.

 

المستثمر المحلي، قبل الأجنبي، يتابع بدقة ما يحدث في قطاع الصناعة.

 

حين يقرأ أن مئات المصانع أغلقت أبوابها في السنوات الأخيرة بسبب نقص الدولار أو ارتفاع الفوائد أو تضخم تكلفة الطاقة، ثم يسمع وزير الصناعة يقر بأن إنشاء المصانع الجديدة لم يتحقق كما أُعلن، فإنه يدرك أن البيئة الاستثمارية مضطربة ومخاطرها مرتفعة.

 

الاعتراف نفسه يكشف أيضًا أن الوزارة تتعامل مع ملف الصناعة بمنطق إدارة الأزمة لا بمنطق الرؤية طويلة المدى.

 

الوزير يقول عمليًا للجمهور إنه لا يستطيع أن يغيّر المسار في ظل هذه الظروف، وإن أقصى ما يمكنه فعله هو إدارة واقع تصفية المصانع وتقليص الخسائر، لا إطلاق موجة تصنيع جديدة تعوّض ما تم فقدانه.

 

مصانع تُصفّى واقتصاد يميل إلى الجباية لا الإنتاج

 

تصفية أكثر من 400 مصنع خلال نحو سبع سنوات ليست مجرد رقم في تقرير، بل انعكاس لاتجاه عام يبتعد بالاقتصاد عن الإنتاج الحقيقي.

 

في ظل أسعار فائدة مرتفعة، وتكلفة طاقة متزايدة، وتقلبات حادة في سعر الصرف، يجد كثير من أصحاب المصانع الصغيرة والمتوسطة أنفسهم أمام خيارين: الإغلاق أو التجميد.

 

في المقابل، تتوسع الدولة في مشروعات عقارية وبنية أساسية كثيفة الكلفة، بينما يظل القطاع الصناعي، الذي يخلق وظائف مستقرة ويولد عملة صعبة، في المرتبة الخلفية من حيث الأولوية.

غياب سياسة صناعية واضحة المعالم يزيد من نزيف المصانع.

 

المطلوب ليس فقط توفير أراضٍ في مناطق صناعية أو طرح مبادرات تمويل متقطعة، بل إعادة بناء منظومة كاملة تشمل سعر طاقة تنافسي، ونظام ضرائب واضح ومستقر، وحماية حقيقية من الاستيراد العشوائي، وربطًا بين البحث العلمي والاحتياجات الصناعية.

 

التصريح بأن “إنشاء 8000 مصنع لم يحدث” يعني أن هذه المنظومة غائبة أو معطلة، وأن ما جرى كان مجرد إعلان على الورق لم يتحول إلى خطوط إنتاج على الأرض.

 

تفاقم الأزمة يظهر أيضًا في سوق العمل.

 

تصفية كل مصنع لا تعني فقط فقدان مجموعة من خطوط الإنتاج، بل تعني خروج مئات أو آلاف العمال من سوق العمل النظامي إلى البطالة أو العمل الهش في الاقتصاد غير الرسمي.

 

هؤلاء لا يعودون في الإحصاءات الرسمية كـ“فرص عمل مفقودة”، لكنهم يتحولون إلى عبء اجتماعي واقتصادي.

 

في المقابل، لا تظهر مصانع جديدة قادرة على استيعابهم، لأن ما يُعلن عنه من مشروعات جديدة يظل في كثير من الأحيان مشروعات حكومية أو عسكرية ذات طابع إنشائي لا صناعي.

 

بين خطاب “الإنجاز” وحاجة الصناعة إلى سياسة مختلفة

 

اللافت أن اعتراف الوزير يأتي في وقت تستمر فيه الحكومة في تسويق سردية “الإنجازات” عبر افتتاح طرق وكباري ومدن جديدة، بينما يعاني القطاع الصناعي من تآكل قاعدته.

 

هذا التناقض يطرح سؤالًا عن أولويات الإدارة الاقتصادية الحالية: هل الهدف تعزيز القدرات الإنتاجية والتصديرية، أم الاستمرار في مشروعات تعطي صورة عمرانية جديدة دون أن تولد قاعدة صناعية قوية؟

 

القطاع الصناعي يحتاج إلى رسالة مختلفة تمامًا. الرسالة الأولى هي الاعتراف بأن الصناعة ليست مجالًا ثانويًا يمكن تعويضه بالإيرادات الريعية من رسوم المرور أو بيع الأصول أو الاقتراض الخارجي.

 

الصناعة تمثل في أي اقتصاد طبيعي العمود الفقري لتوليد الوظائف والقيمة المضافة والتصدير.

 

استمرار تصفية المصانع مع الاكتفاء بالحديث عن مشروعات عملاقة لن يغير الواقع، بل يوسع فجوة العجز في الميزان التجاري ويزيد الاعتماد على الخارج في توفير السلع الأساسية.

 

الرسالة الثانية هي أن الإصلاح لا يكون بالاعتراف فقط، بل بوضع خطة شفافة ومعلنة لإعادة تشغيل المصانع المتعثرة، أو على الأقل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من خطوط الإنتاج القائمة.

 

هذه الخطة يجب أن تعالج أسباب التعثر من جذورها: التمويل، الضرائب، الجمارك، الطاقة، البيروقراطية، والمنافسة غير المتكافئة مع منتجات تستفيد من إعفاءات أو دعم غير مباشر.

 

من دون ذلك، سيظل التصريح بأن “إنشاء 8000 مصنع لم يحدث” مجرد سطر إضافي في سجل الإخفاقات، لا نقطة انطلاق لتغيير حقيقي.

 

في النهاية، ما قاله وزير الصناعة ليس مجرد جملة عابرة في تصريح صحفي، بل مؤشر على أن نموذج إدارة الاقتصاد الحالي يدفع البلاد بعيدًا عن التصنيع الحقيقي نحو اقتصاد يميل إلى الجباية والديون والأنشطة قصيرة العمر.

 

المواطن الذي يسمع هذا التصريح يفهم ببساطة أن الوظائف الصناعية المستقرة تبتعد، وأن وعود “مصر الصناعية” لا تزال حتى الآن أقرب إلى شعار سياسي منها إلى مشروع اقتصادي قائم على أسس واضحة.

 

إذا لم تُعاد صياغة السياسة الصناعية من جذورها، فإن الرقم التالي في قائمة المصانع المُصفّاة قد يكون أعلى بكثير، ومعه تتعمق أزمة العمل والدخل والإنتاج في مصر.