أعلنت وزارة البترول عن 5 اكتشافات جديدة للزيت الخام والغاز الطبيعي في مناطق امتياز بالصحراء الغربية، بإجمالي إنتاج يقدَّر بأكثر من 5200 برميل يوميًا من الخام والمتكثفات، ونحو 34 مليون قدم مكعب غاز يوميًا.

 

البيانات الرسمية قدّمت الاكتشافات باعتبارها “دفعة مهمة” لخطة زيادة الإنتاج وتعويض تناقص الحقول القديمة وخفض فاتورة الاستيراد. لكن على الجانب الآخر، يواجه المواطن زيادات متتالية في أسعار الوقود والغاز المنزلي، مع استمرار الحديث عن استيراد شحنات مكلفة من الغاز المسال والغاز الإسرائيلي لتشغيل محطات الكهرباء.

 

هذا التناقض يفتح سؤالًا مباشرًا: ما جدوى الاكتشافات الجديدة إذا لم تنعكس على فاتورة الطاقة للمستهلك، ولا على تخفيف الضغوط المعيشية الناتجة عن ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء؟

 

أولًا - أرقام الاكتشافات مقابل استهلاك ضخم

 

وفق بيان الوزارة، تشمل الاكتشافات الجديدة آبارًا في مناطق امتياز تابعة لشركات خالدة وعجيبة والعامة للبترول وبترو فرح، بإجمالي طاقة متوقعة تبلغ أكثر من 5200 برميل خام ومتكسفات يوميًا، وحوالي 34 مليون قدم مكعب غاز يوميًا.

 

في المقابل، تشير بيانات دولية إلى أن استهلاك مصر من النفط يقارب 953 ألف برميل يوميًا، ما يعني أن الإضافة الجديدة تمثل أقل من 1% من استهلاك النفط اليومي.

 

وعلى مستوى الغاز، تقدّر دراسات وبيانات رسمية احتياجات مصر اليومية بين 6 و6.5 مليارات قدم مكعب، مع استهداف 7 مليارات قدم مكعب في أشهر الصيف، بينما يدور الإنتاج حاليًا حول 4.1–4.2 مليارات قدم مكعب، وهو ما يفرض اللجوء للاستيراد لسد الفجوة.

 

بهذا القياس، تمثّل زيادة 34 مليون قدم مكعب غاز يوميًا نسبة تقل عن 1% من الاستهلاك اليومي المعلن، وأقل من الفجوة الحالية بين الإنتاج والطلب، وهو ما يفسر محدودية تأثيرها على معادلة السوق وأسعار المستهلك.

 

المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، يربط بين هذه الأرقام وبين ما يسميه “عجزًا هيكليًا” في ميزان الغاز؛ فمصر – بحسب تقديرات نقلتها تقارير متخصصة – فقدت في فترات سابقة ما يصل إلى 800 مليون قدم مكعب يوميًا بسبب اضطراب إمدادات الغاز الإسرائيلي، مع توقيع تعاقدات طويلة الأجل لشراء الغاز لا تنعكس على تخفيض أسعار الطاقة داخليًا.

 

من زاوية أخرى، يرى يوسف أن الاكتشافات الحالية تشبه “تصحيحات موضعية” داخل حقول قائمة، أكثر من كونها تحوّلًا جذريًا يعيد مصر إلى وضع اكتفاء ذاتي مستدام، في ظل استمرار تآكل إنتاج الحقول القديمة وارتفاع الطلب.

 

ثانيًا - استيراد، عقود، وتسعير.. لماذا لا يشعر المواطن بالعائد؟

 

الخبير البترولي رمضان أبو العلا يربط بين ملف الاكتشافات وسياسات التسعير والاتفاقات الخارجية. في أكثر من تصريح، انتقد تراجع الإنتاج المحلي والتوسع في استيراد الغاز المسال والغاز الإسرائيلي، مع استمرار رفع أسعار “غاز المنازل” وفواتير الكهرباء، رغم الحديث الرسمي المتكرر عن اكتشافات جديدة وزيادة الإنتاج.

 

أبو العلا يشير إلى أن الضغط على الحقول لتعظيم الإنتاج في فترات سابقة ساهم في تسريع معدلات التناقص الطبيعي، ما أدى إلى العودة لموقع “المستورد الصافي” للغاز، واستقدام سفن تغييز لاستيراد شحنات إضافية، وهو ما يرفع فاتورة العملة الصعبة ويُحمَّل في النهاية على المستهلك المحلي.

 

إلى جانب ذلك، تطبق الحكومة آلية تسعير تلقائي تربط أسعار الوقود والغاز محليًا بمتوسط الأسعار العالمية وسعر الصرف وتكاليف النقل والتكرير، وهو ما يعني أن أي ارتفاع في الأسعار العالمية أو تدهور في سعر الجنيه ينعكس سريعًا على المستهلك، حتى مع الإعلان عن اكتشافات جديدة داخلية.

 

الخبير الاقتصادي حمدي عبد العظيم سبق أن انتقد في سياقات أخرى الفجوة بين الخطاب الرسمي عن “تحسن المؤشرات” وبين الواقع المعيشي للمواطن، مؤكدًا أن الأثر الفعلي يُقاس بقدرة الناس على تحمّل تكلفة الطاقة والنقل والغذاء، لا بعدد البيانات الصادرة عن الحكومة أو المؤسسات الدولية.

 

هذا الطرح ينسجم مع تساؤلات قطاع واسع من المواطنين: إذا كانت الاكتشافات تضيف إنتاجًا جديدًا وتقلل جزئيًا من الاستيراد، فلماذا تستمر موجات رفع أسعار الوقود وفواتير الكهرباء؟ ولماذا لا يُترجَم جزء من الوفورات – إن وُجدت – إلى تخفيف مباشر عن المستهلك؟

 

ثالثًا - إدارة القطاع وشفافية العقود.. النقطة الأضعف في المعادلة

 

وراء أرقام الإنتاج والاستهلاك، يطرح الخبير البترولي إبراهيم زهران سؤالًا أعمق يتعلق بنموذج إدارة قطاع الطاقة. زهران انتقد في أكثر من مناسبة سياسات ترسيم الحدود واتفاقات الغاز في شرق المتوسط، معتبرًا أن قبول ترتيبات تصب في صالح تل أبيب وقبرص واليونان أضعف حصة مصر في ثروات البحر، وأجبرها لاحقًا على استيراد الغاز من حقول يعتبر أن جزءًا من مواردها كان من حقوق مصرية.

 

من وجهة نظره، لا يمكن فصل محدودية أثر الاكتشافات الجديدة عن بنية العقود مع الشركات الأجنبية، ونسب اقتسام الإنتاج، وطبيعة الالتزامات طويلة الأجل مع موردين خارجيين، وهي ملفات لا تُدار بشفافية كافية أمام الرأي العام أو حتى أمام خبراء القطاع.

 

على مستوى السوق العالمي، يوضح المهندس خالد أبو بكر، نائب رئيس الاتحاد الدولي للغاز ورئيس الجمعية المصرية للغاز والطاقة، أن أسعار الغاز عالميًا شهدت ما يشبه “فقاعة سعرية” نتيجة الأزمات المتتالية، وهو ما يعني أن الدول المستوردة – مثل مصر حاليًا – تظل معرضة لتقلبات حادة في تكاليف الاستيراد، تنعكس على الموازنة العامة وأسعار الطاقة داخليًا.

 

لكن وجود ضغوط خارجية لا يعفي الحكومة من مسؤولية تحسين إدارة الملف داخليًا. خبراء الطاقة والاقتصاد، ومنهم أبو العلا وزهران ويوسف وعبد العظيم، يلتقون عند مجموعة مطالب أساسية يمكن أن تجعل الاكتشافات الجديدة جزءًا من حل حقيقي، لا مجرد مادة دعائية، من بينها:

 

مراجعة عقود الغاز والنفط بما يضمن حصة أعلى لمصر في العائد.

 

ربط سياسات التصدير والاتفاقات الإقليمية بأولوية تأمين احتياجات السوق المحلية أولًا.

 

إعلان بيانات الإنتاج، والتكلفة، والعقود مع الشركاء الأجانب بشفافية أكبر.

 

إعادة النظر في آلية التسعير التلقائي بحيث تراعي البعد الاجتماعي، لا المؤشرات المالية فقط.

 

في ضوء ذلك، تبدو الاكتشافات الجديدة بالصحراء الغربية خطوة تقنية مهمة، لكنها تظل محدودة الأثر على أسعار الطاقة ما لم تُرفَق بإصلاحات واضحة في طريقة إدارة القطاع، وبسياسة شفافة تربط بين “أرقام الإنتاج” وحق المواطن في طاقة متاحة وبسعر يمكن تحمّله.