تشهد منطقة القرن الأفريقي تصعيدًا متسارعًا في التوترات السياسية والعسكرية، في ظل تبادل اتهامات حادة بين إثيوبيا وإريتريا، وتحركات إقليمية متشابكة تنذر بإعادة تشكيل موازين القوى في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية استراتيجيًا. ويأتي هذا التطور في وقت تتشابك فيه ملفات الحدود، والوصول إلى البحر الأحمر، والحرب في السودان، ومنافسات النفوذ بين قوى إقليمية ودولية، بما يعيد إلى الأذهان سيناريوهات الصراع المفتوح التي عرفتها المنطقة في تسعينيات القرن الماضي.

 

اتهامات متبادلة وتصعيد على الحدود

 

اتهمت الحكومة الإثيوبية جارتها إريتريا بالقيام بـ«أعمال عدوان صريح» واحتلال أجزاء من الأراضي الإثيوبية، في رسالة رسمية بعث بها وزير الخارجية الإثيوبي جيديون تيموثيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح.

 

وأشارت الرسالة إلى أن توغل القوات الإريترية داخل الأراضي الإثيوبية يمثل «انتهاكًا خطيرًا للسيادة»، مطالبة بانسحاب فوري للقوات المتواجدة على امتداد الحدود المشتركة ووقف أي تعاون مع جماعات مسلحة.

 

وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن أديس أبابا رصدت تحركات عسكرية مشتركة قرب الحدود الشمالية الغربية، واعتبرت أن هذه التطورات تنذر بمزيد من التصعيد إذا لم يتم احتواؤها سياسيًا.

 

ورغم النبرة التحذيرية، أكدت إثيوبيا استعدادها للدخول في مفاوضات «بحسن نية» حول القضايا العالقة، بما في ذلك ملف الوصول إلى البحر الأحمر، الذي أصبح محورًا رئيسيًا في خطاب القيادة الإثيوبية خلال الأشهر الأخيرة.

 

من جانبها، لم تصدر أسمرا ردًا تفصيليًا على الاتهامات الجديدة، لكنها سبق أن رفضت اتهامات مشابهة، معتبرة أنها «ادعاءات سياسية» تهدف إلى صرف الانتباه عن الأزمات الداخلية في إثيوبيا.

 

إرث حرب تيغراي واستمرار وجود القوات الإريترية

 

يعود جزء كبير من التوتر الحالي إلى تداعيات حرب تيغراي التي اندلعت في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، حين دعمت إريتريا القوات الفيدرالية الإثيوبية في مواجهة جبهة تحرير شعب تيغراي. ورغم توقيع اتفاق السلام في بريتوريا عام 2022، تشير تقارير دولية إلى استمرار وجود قوات إريترية في الإقليم الحدودي، وهو ما تعتبره أديس أبابا خرقًا ضمنيًا لترتيبات ما بعد الحرب.

 

وتتهم إثيوبيا إريتريا بالتحالف مع قوى محلية مسلحة والاستعداد لسيناريو صدام جديد، بينما تتهم أسمرا الحكومة الإثيوبية بمحاولة إعادة رسم التوازنات الإقليمية على حساب سيادتها. ويزيد من حدة التوتر اتهام رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لإريتريا بارتكاب انتهاكات جسيمة خلال حرب تيغراي، وهي اتهامات رفضتها أسمرا بشدة.

 

وتشير تقديرات الاتحاد الأفريقي إلى أن الحرب في شمال إثيوبيا أودت بحياة مئات الآلاف، ما يجعل أي عودة للمواجهة العسكرية المباشرة بين البلدين تهديدًا واسع النطاق للاستقرار الإقليمي.

 

البحر الأحمر.. محور الصراع الاستراتيجي

 

برز ملف وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر كأحد أهم العوامل التي تؤجج التوتر. فالدولة غير الساحلية، التي تعد ثاني أكبر دول أفريقيا سكانًا، تسعى منذ سنوات إلى ضمان منفذ بحري دائم لتأمين تجارتها الخارجية. وقد أثارت تصريحات متكررة من القيادة الإثيوبية حول «الحق في الوصول إلى البحر» قلقًا في إريتريا ودول أخرى مطلة على البحر الأحمر، التي ترى في هذه التصريحات تهديدًا مباشرًا لسيادتها.

 

وتسعى أديس أبابا إلى إعادة فتح ملف استخدام ميناء عصب الإريتري، سواء عبر اتفاقيات اقتصادية أو ترتيبات سياسية وأمنية أوسع، وهو ما يضع العلاقات الثنائية تحت ضغط متزايد.

 

تشابكات إقليمية وحسابات النفوذ

 

يتزامن التصعيد الإثيوبي-الإريتري مع تعقيدات إضافية ناجمة عن الحرب المستمرة في السودان، حيث تتهم تقارير إعلامية ودبلوماسية أطرافًا إقليمية بدعم قوى متصارعة داخل السودان، في إطار صراع نفوذ أوسع يشمل القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وتثير هذه التطورات مخاوف من تحول المنطقة إلى ساحة تنافس مفتوح بين قوى إقليمية تسعى لتعزيز حضورها العسكري والسياسي.

 

ويرى محللون أن أي مواجهة مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا لن تبقى محصورة داخل حدودهما، بل قد تمتد تداعياتها إلى دول الجوار، بما في ذلك السودان والصومال وجيبوتي، فضلًا عن تأثيرها على أمن الملاحة في البحر الأحمر وممرات التجارة العالمية.

 

كما أن ملف سد النهضة الإثيوبي يظل حاضرًا في خلفية المشهد، نظرًا لتأثيراته المحتملة على علاقات إثيوبيا مع دول حوض النيل، وما يرتبط بذلك من توازنات أمنية واستراتيجية في الإقليم.

 

سيناريوهات مفتوحة بين الحرب والاحتواء

 

يرى خبراء أن احتمالات التصعيد العسكري قائمة لكنها ليست حتمية، إذ لا تزال هناك قنوات دبلوماسية مفتوحة بين أديس أبابا وأسمرا، كما أن كلفة الحرب المباشرة ستكون مرتفعة على الطرفين في ظل أزمات اقتصادية وسياسية داخلية. ومع ذلك، فإن استمرار الاتهامات المتبادلة والتحركات العسكرية على الحدود يزيد من خطر الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة.

 

وفي حال فشل المساعي الدبلوماسية، قد يشهد القرن الأفريقي مرحلة جديدة من الصراع، تتداخل فيها النزاعات الحدودية مع التنافس على الموارد والموانئ والنفوذ الإقليمي. أما إذا نجحت الوساطات، فقد يتم احتواء الأزمة عبر ترتيبات أمنية جديدة تعيد ضبط العلاقات بين البلدين وتمنع تحول التوتر إلى حرب شاملة.

 

في جميع الأحوال، تبقى المنطقة أمام مفترق طرق حاسم، حيث تتداخل حسابات السيادة والاقتصاد والأمن القومي، ما يجعل أي تطور على الأرض ذا تأثير يتجاوز حدود إثيوبيا وإريتريا ليطال مجمل توازنات الشرق الأفريقي والبحر الأحمر.