تحلل بيسان كساب وسارة سيف الدين ورنا ممدوح تجربة مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء الأطول بقاءً في المنصب منذ عقود، والذي تعهد بإطلاق مرحلة غير مسبوقة لخفض الدين العام، إلى جانب إشرافه على استحداث وزارة إعلام جديدة يُفترض أن تخاطب «كل فئات المجتمع». خلال سنوات حكمه، قادت حكومته الدولة إلى تجاوز خطوط اقتصادية تاريخية، شملت تعويم الجنيه، وتحرير أسعار الوقود، والدخول في برامج متتالية مع صندوق النقد الدولي.


توضح مدى مصر أن هذه السياسات دفعت الدين العام إلى مستويات جعلت خدمة الدين تلتهم معظم الإنفاق الحكومي السنوي، كما أعادت مصر إلى وضع المستورد الصافي للوقود. ومع تصاعد شائعات تعديل حكومي واسع، ساد الاعتقاد بأن حقبة «السوابق القياسية» قد تقترب من نهايتها، قبل أن يرسخ التعديل الوزاري الأخير بقاء مدبولي في موقعه ويعزز نفوذه داخل السلطة التنفيذية.

 

تعديل وزاري يعزز السيطرة ويتجاوز الرقابة

 

شهد التعديل الوزاري تغييرات متأخرة حتى اللحظات الأخيرة، أبرزها تغيير وزير الدفاع في توقيت فُسر على أنه التفاف على الرقابة البرلمانية المنصوص عليها دستوريًا. وصف مصدر قضائي الخطوة بأنها انتهاك دستوري جسيم، بينما رأى محامون أن النصوص الدستورية تتيح تأويلًا يمنح وزير الدفاع وضعًا خاصًا.

 

عزز التعديل موقع مدبولي عبر تقليص نفوذ وزراء بارزين، من بينهم كامل الوزير وخالد عبد الغفار، مع إعادة توزيع حقائب استراتيجية. كما دعم رئيس الوزراء موقعه بتعيين رندا المنشاوي وزيرة للإسكان، وهي من أقرب مساعديه سابقًا. في المقابل، ألغت الرئاسة وزارة قطاع الأعمال العام، في خطوة وُصفت بأنها الأخطر، لما تحمله من دلالات على تسريع الخصخصة أو تغيير آليات إدارتها.

 

الخصخصة بين الخطاب والتنفيذ
 

ترى مصادر اقتصادية أن إلغاء وزارة قطاع الأعمال يشير إلى انتقال إدارة الشركات العامة إلى صندوق مصر السيادي، الذي يتمتع بمرونة أكبر بعيدًا عن قيود الحكومة. تقرر نقل 40 شركة إلى الصندوق وطرح 20 أخرى في البورصة، مع إسناد تنسيق الملف إلى نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية حسين عيسى.

 

لكن أساتذة اقتصاد سياسي، من بينهم عمرو عادلي، يرون أن حقبة مدبولي اتسمت بالاستجابة الخطابية المكثفة لمطالب صندوق النقد بتقليص دور الدولة، دون ترجمة فعلية على الأرض. ويشيرون إلى أن وثيقة سياسة ملكية الدولة جسدت هذا الخطاب الليبرالي، لكنها لم تُفضِ إلى خصخصة واسعة بسبب قيود سياسية وأمنية، ومخاوف من بيع أصول استراتيجية بأسعار منخفضة عقب تراجع قيمة الجنيه.

 

حكومة بلا أدوات تنفيذية

 

ينتقد مراقبون تفكيك صلاحيات الوزارات وتحويلها إلى كيانات خارج الحكومة، ما يقلص الرقابة البرلمانية. فإدارة شراء السلع الغذائية الاستراتيجية انتقلت تدريجيًا من وزارة التموين إلى جهات تابعة للقوات المسلحة، كما خرجت هيئة الشراء الموحد من مظلة وزارة الصحة. ويُتوقع أن يمتد النهج ذاته إلى قطاع الطاقة.

 

تراجعت أهمية وزارة البترول مع انخفاض الإنتاج المحلي للغاز منذ 2022، وازدياد الاعتماد على الاستيراد عبر شركات خاصة وفق قانون تنظيم سوق الغاز. ويشير مصدر مقرب من الحكومة إلى أن إعادة تعيين وزير البترول رغم إخفاقات الإنتاج تعكس تحوّل دور الوزارة إلى هامشي في منظومة تعتمد على الاستيراد.

 

الدين العام وإدارة خارج الموازنة

 

يضع مدبولي خفض الدين في صدارة ولايته الجديدة، بدعم من وزير المالية، عبر آليات تنقل الالتزامات خارج الموازنة العامة إلى كيانات خاصة. تأتي هذه الوعود في وقت بلغت فيه خدمة الدين أكثر من 96% من إيرادات الدولة خلال عدة أشهر، وهو مستوى غير مسبوق.

 

يرى برلمانيون أن خطاب خفض الدين جاء في سياق سياسي يهدف إلى تعزيز شعبية رئيس الوزراء قبيل التعديل الوزاري، أكثر منه برنامجًا اقتصاديًا واضح المعالم. ويخلص التحليل إلى أن «حكومة مدبولي الاستثنائية» راكمت أرقامًا قياسية في الدين، ووسعت إدارة الدولة خارج الهياكل الحكومية التقليدية، في مسار يثير تساؤلات عميقة حول الشفافية والمساءلة ومستقبل صنع القرار الاقتصادي في مصر.

 

https://www.madamasr.com/en/2026/02/11/news/u/the-superlative-government-of-mostafa-madbuly/