في موسمٍ تتسابق فيه أعمال درامية ممولة من المال العام—مباشرة أو عبر شبكات إنتاج تدور في فلك الدولة—تعود “الدراما الأمنية” لتشتغل كأداة تشويه لا كفن. لا تُقدَّم الشخصيات بوصفها بشرًا داخل سياق تاريخي قابل للنقاش، بل كأيقونات شر مطلقة تُختزل في لقطة وإضاءة وموسيقى ومونتاج. وفي قلب هذا المسار، برزت محاولات رسم صورة أحادية عن الدكتور محمود عزت، نائب المرشد العام والقائم السابق بأعماله، على نحوٍ يراه مراقبون امتدادًا لنهج السلطة في صناعة “عدو داخلي” يبرر القمع ويغطي فشل الإدارة وتآكل المجال العام.

 

على الضفة الأخرى، قدّم كُتّاب وناشطون مقاربة مغايرة: عزت—وفق شهاداتهم—شخصية شديدة الانضباط، تميل إلى التنظيم والعمل المؤسسي، وتُصر على إبقاء المسار سلميًا داخل جماعته، خصوصًا بعد 2013 وما تلاها من مطاردات واسعة واعتقالات وأحكام قاسية. وبين الصورتين تتكشف معركة “الوعي”: هل تُستخدم الدراما لتنوير المجتمع أم لتوجيهه سياسيًا وفق مصالح السلطة؟

 

1) الدراما كامتداد للسلطة: تمويلٌ، توجيهٌ، ورسائل مُشفّرة

 

يتوقف منتقدو الخطاب الرسمي عند نقطة جوهرية: حين تصبح شركات الإنتاج جزءًا من بنية الدولة العميقة أو محميةً منها، يفقد العمل الفني استقلاله ويصير “رسالة سياسية” بملامح فنية. هنا لا يكون التشويه نتيجة خطأ سردي، بل وظيفة: خلق انطباع جماهيري ثابت يسبق أي نقاش قانوني أو حقوقي.

 

في هذا السياق، كتب الناشط علي حسن عن “الصناعة” لا “النص”، موضحًا أن الرسائل لا تتشكل بالحوار وحده، بل بالموسيقى، وزوايا التصوير، والإضاءة، وأداء الممثلين—أي بكل ما يصنع الاستجابة العاطفية للمشاهد. وربط ذلك بعملٍ قال إنه استُخدم لتشويه عزت، ضمن مقالٍ على صفحته:

 

ويذهب حسن أبعد من النقد الفني إلى اتهام سياسي: تضخيم “خطر داخلي” على الشاشة لصرف الانتباه عن أزمات أعمق، وخلق كراهية اجتماعية جاهزة تبرر استمرار القبضة الأمنية.

 

2) “محمود عزت” في رواية المدافعين: أكاديميٌ ومنضبطٌ ورافضٌ للعنف

 

في رواية أخرى متداولة على المنصات، يظهر محمود عزت بصورة مختلفة عن تلك التي تُقدمها السلطات. الكاتبة هبة بدر تحدثت عنه كاسم أكاديمي بارز، يجمع بين التخصص الطبي والاهتمام بالعلوم الإسلامية، معتبرة أن اعتقاله أوقف مسارًا علميًا وأن ما تعرض له يحمل إهانة لرمز علمي؛ وأشارت إلى فيديو يوثّق ما وصفته بالإذلال:

 

 

كما كتب سيف سليمان تحت عنوان “الدكتور محمود عزت النائب المؤتمن”، واصفًا إياه بأنه قاد الجماعة في مرحلة شديدة الخطورة مع تمسكه بالسلمية والانضباط المؤسسي:

 

 

بعيدًا عن الاتفاق أو الاختلاف السياسي، تعكس هذه الشهادات فكرة واحدة: أن صورة عزت—لدى من عرفوه أو تابعوه—ليست صورة “المحرّض” بل “المنظّم” الذي يراقب ردود الفعل ويخشى انفلات الشباب نحو العنف، ويرى في السلمية خط دفاع أخير أمام التفكك.

 

3) السجن والإنكار والحقوق: حين تُستخدم العدالة كأداة ردع

 

الملف لا يقف عند حدود “الصورة” في الدراما، بل يمتد إلى سؤال الحقوق والإجراءات: ما الذي يعنيه أن يُقدَّم شخصٌ للرأي العام كمدانٍ دائمًا، بينما مساحة الاطلاع على ظروف الاحتجاز والرعاية الصحية والزيارات محدودة أو محل نزاع؟ هنا يظهر الخلل البنيوي: السلطة لا تكتفي بالملاحقة القضائية، بل تُكملها بحملة رمزية مستمرة عبر الإعلام.

 

وتنقل منشورات متداولة—منها منشور منسوب لأحمد لاشين—تفاصيل عن النشأة والمسار العلمي والاعتقالات المتعددة، ثم تتحدث عن ظروف احتجاز قاسية وعزل ومنع زيارات، مقابل رواية رسمية تكرر أن “الرعاية متوفرة”. وفي السياق نفسه أُعيد تداول رابط يضم هذه الشهادة:

 

https://www.facebook.com/photo?fbid=122258718902153012&set=gm.26105950632357865&idorvanity=357242467655368

 

المفارقة أن الدولة التي تُنفق بسخاء على “تشكيل الوعي” بالدراما، لا تُظهر القدر ذاته من الشفافية حين يتعلق الأمر بملفات السجون والمحاكمات والرقابة المستقلة. وهنا يصبح “الوعي” مجرد ستار: تُصنع رواية واحدة، وتُحجب الروايات الأخرى، ثم يُطلب من المجتمع التصفيق باعتبار ذلك “فنًا”.

 

خاتمة

 

ما تكشفه هذه المعركة ليس فقط اختلافًا على شخصية محمود عزت، بل اختلافًا على معنى الدولة والإعلام والعدالة. حين تتحول الدراما إلى محكمة موازية، تُدان فيها الخصوم قبل أي نقاش موضوعي، يصبح الفن جزءًا من أدوات الحكم لا مرآة للمجتمع. وفي المقابل، تُظهر الشهادات المتداولة أن هناك سردية أخرى ترى في عزت شخصية تنظيمية منضبطة تميل للسلمية، وتعتبر ما جرى له جزءًا من سياق أوسع لتصفية المجال العام.

 

إذا أحببت، أعمل لك نسخة أكثر حِدّة بنفس الهيكل، لكن تظل ضمن العرض النقدي دون مدحٍ تنظيمي مباشر، ومع نفس الروابط موزعة داخل الفقرات.