مصطفى عبد السلام
رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"
خلال فترة تمتد لنحو نصف قرن، جرت محاولات عدة لكسر هيمنة الدولار على الأسواق العالمية وفي مقدمتها أسواق الصرف والعملات وتسعير النفط والغاز والسلع والمعادن الرئيسية والخدمات، من أبرز تلك المحاولات إطلاق العملة الأوروبية الموحدة "اليورو" رسميًا في 1 يناير 1999 قبل أن يدخل حيّز التداول في 1 يناير 2002، وقبلها إنشاء الاتحاد الاقتصادي والنقدي الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي ودخول معاهدة ماستريخت لعام 1993 حيز التنفيذ.
وعلى الرغم من الرهان الشديد على اليورو والنظر إليه في ذلك التوقيت على أنه أكبر تهديد حقيقي لهيمنة العملة الأميركية، إلا أنه ضعف عاما بعد عام بسبب عوامل عدة تتعلق بالأزمات المالية والاقتصادية الشديدة والحروب التي عانت منها بعض دول الاتحاد، سواء الواقعة في الشرق مثل بلغاريا ورومانيا والمجر والتشيك أو الغرب مثل اليونان وقبرص وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال، بل وتعرض بعض تلك الدول لحالة إفلاس وتعثر صارخة كلفت البنك المركزي الأوروبي ودولا كبرى مثل ألمانيا مليارات اليوروهات لإنقاذها وتعويمها.
ويوما بعد يوم تصبح دول القارة أسيرة للدولار وأسواق الدين والسندات والمصارف الأميركية ووول ستريت وقرارات بنك الاحتياطي الفيدرالي، رغم التحسن الملحوظ في سعر العملة الأوروبية منذ تولي دونالد ترامب منصبه حيث زاد اليورو مقابل الدولار بنسبة 13% في العام الماضي ليبلغ 1.20، وهو أفضل أداء له منذ عام 2017.
وأكبر دليل على ذلك أن الدولار لا يزال يهيمن على نحو 60% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية، مقابل 20% لليورو. ولا تزال الولايات المتحدة تهيمن على أسواق المال والدين والسندات العالمية وتفرض سطوتها على أسواق التجارة والطاقة.
ومع دخول الاتحاد الأوروبي في مواجهة شرسة مع الولايات المتحدة عام 2025 بسبب حرب التجارة الرسوم الجمركية والتكنولوجيا، ومحاولات ترامب احتلال جزيرة غرينلاند وغيرها من الملفات الساخنة، تجددت دعوات أوروبا بضرورة الدفاع عن سيادتها النقدية وإيجاد خطوات للحد من هيمنة الاقتصاد الأميركي وعملته. ومن هنا جاءت تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمس، والتي قال فيها إنه يتعين على الاتحاد الأوروبي استحداث وسيلة للاقتراض المشترك، لأن ذلك سيساعد في تحدي هيمنة الدولار.
وفي إطار المنافسة الحادة بين أكبر اقتصادين في العالم، جرت محاولات أخرى من جانب الصين لكسر هيمنة الدولار عبر الترويج لنطاق واسع لعملة اليوان الورقي وتدويله، ثم الرهان على اليوان الرقمي الذي من المخطط أن يدخل حيز التنفيذ هذه الأيام، ورغم تلك المحاولات المدعومة بثاني أقوى اقتصاد في العالم واحتياطيات أجنبية تتجاوز 3.34 تريليونات دولار، إلا أنها لا تزال محدودة، والدليل أن حصة اليوان من احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنوك المركزية العالمية لا تتجاوز 3%، في حين يشكل الدولار الأغلبية.
وجرت محاولات أخرى لكسر هيمنة الدولار من قبل تكتلات اقتصادية منها، تجمع البريكس الذي تقوده الصين وروسيا والهند، وعقب شن ترامب حرب الرسوم وتعقيدات التجارة والتهديد باحتلال دول، زادت الدعوات لإيجاد نظام نقدي عالمي متعدد الأقطاب، وإعادة النظر في النظام المالي الحالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة منذ العام 1944. ورغم تلك المحاولات العالمية التي لم تتوقف والبحث عن بدائل تقلل الاعتماد على الدولار، فقد بقيت محدودة الأثر، فالدولار يواصل هيمنته على الأسواق ويتربع على ثروات الدول.
وفشلت محاولات معظم البنوك المركزية تنويع احتياطياتها من النقد الأجنبي وتكوين سلة عملات يكون الدولار أحد مكوناتها إلى جانب اليورو والاسترليني واليوان، ولا تزال الولايات المتحدة المستقطب الأول للأموال والاستثمارات الأجنبية حول العالم، ولا تزال البنوك الأميركية تستقطب تريليونات الدولارات من كل أنحاء العالم، ولا يزال الدولار هو سيد العملات.
صحيح أنه فقد نحو 9% من قيمته في 2025 ومرشح لمزيد من التراجع في العام الجاري في ظل فقدان الثقة في الأصول الأميركية وتوسع المستثمرين في سياسة التحوط. صحيح أيضًا أنه من المتوقع تعرضه لهزات في ظل التدافع الشديد نحو حيازة الذهب والفضة وتنامي سوق العملات الرقمية، واستخدام العملات المحلية والمقايضة في تسوية المعاملات التجارية، لكن اختفاء الدولار في الأجل القريب لا يزال بعيد المنال

