في توقيت حساس اقتصاديًا، خرج رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بتصريحات تؤكد حرص الحكومة على “تعظيم الاستفادة من السواحل المصرية” عبر مشروعات كبرى متكاملة تضيف غرفًا سياحية جديدة. بالتوازي، أعلن قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي من الإمارات استعداد مصر لمزيد من الاستثمارات الإماراتية.

 

التزامن بين التصريحين يعكس مسارًا واحدًا: الاعتماد على بيع أو تأجير الأصول الساحلية لجذب العملة الصعبة، دون نقاش علني كافٍ حول الكلفة الاقتصادية والاجتماعية، أو حدود هذا النهج الذي بات مكررًا. الخطاب الرسمي يركز على “الفرص”، بينما يتجاهل أسئلة جوهرية حول السيادة الاقتصادية، ونصيب الاقتصاد المحلي، ومن يتحمل المخاطر.

 

السواحل كحل سريع.. قراءة حكومية قاصرة

 

تقدم الحكومة السواحل باعتبارها منجمًا جاهزًا للعائد، وتربط ذلك بزيادة الطاقة الفندقية. هذا الطرح، في جوهره، اختزال للتنمية في عدد الغرف، وتجاهل لهيكل الاقتصاد.

 

يرى عبدالمطلب عبدالنبي أن الحكومة تبحث عن “حلول سريعة” لأزمة سيولة وديون ممتدة، فيلجأ القرار إلى أسهل الأصول تسويقًا. ويؤكد أن “التوسع في المشروعات السياحية دون ربطها بسلاسل إنتاج محلية يعيد إنتاج نموذج ريعي محدود الأثر”.

 

بحسب عبدالنبي، المشكلة ليست في الاستثمار السياحي، بل في كونه يُدار كبيع أرض أو حق انتفاع طويل الأجل بعائد فوري، مقابل غياب خطط واضحة لتوطين خدمات، أو نقل معرفة، أو تعميق تشغيل مستدام. النتيجة المتوقعة: أرقام افتتاحات، دون تغيير حقيقي في ميزان المدفوعات على المدى المتوسط.

 

الاستثمارات الإماراتية.. شراكة غير متكافئة؟

 

تصريحات قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي في الإمارات ركزت على “الترحيب” و“تيسير الإجراءات”. لكن غاب عنها تحديد قواعد الشراكة، أو ما الذي ستكسبه الدولة مقابل منح مواقع ساحلية نادرة.
الخبير الاقتصادي هاني توفيق يصف هذا المسار بأنه “امتحان للحوكمة”. ويقول إن “جذب الاستثمار لا يعني التفريط في الأصول”. المشكلة، بحسب توفيق، أن الصفقات تُعلن غالبًا بلا تفاصيل كافية للرأي العام، ما يفتح الباب لعدم توازن في المصالح.


ويضيف أن الاقتصادات التي نجحت في السياحة الساحلية فعلت ذلك عبر شراكات تشغيلية محددة المدة، ومعايير صارمة للقيمة المضافة المحلية. أما تحويل الشريط الساحلي إلى تجمعات مغلقة، فسيحد من العائد الاجتماعي، ويخلق اعتمادًا طويل الأجل على تدفقات خارجية غير مضمونة.

 

التنمية الغائبة.. أثر اجتماعي وبيئي مؤجل

 

بينما يتحدث مدبولي عن “مشروعات متكاملة”، يغيب النقاش حول المدن الساحلية القائمة، وحقوق الوصول للشواطئ، والضغط على الموارد.

 

تؤكد سالي صلاح أن التخطيط الحالي “ينتج سياحة معزولة”. وتوضح أن كثيرًا من المشروعات تُقام دون دمج فعلي مع النسيج العمراني، ما يخلق وظائف موسمية، ويترك عبئًا دائمًا على البنية التحتية.

 

سالي صلاح تحذر من أن تجاهل البعد البيئي سيكلف الدولة لاحقًا، سواء بتآكل الشواطئ أو تدهور النظم الساحلية. كما تشير إلى أن غياب آليات رقابة مستقلة على استخدام الأراضي يجعل “التنمية” عنوانًا فضفاضًا لقرارات غير قابلة للمراجعة.

 

ختاما فما بين تصريحات مصطفى مدبولي الترويجية، ورسائل قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي الطمأنة لرأس المال الإماراتي، يتضح مسار واحد: الاعتماد على السواحل كرافعة مالية سريعة. هذا المسار قد يخفف ضغطًا آنيًا، لكنه يحمل مخاطر طويلة الأجل إذا استمر بلا شفافية، وبلا معايير واضحة للشراكة، وبلا حساب للأثر الاجتماعي والبيئي.

 

السؤال لم يعد: هل نحتاج استثمارًا؟ بل: أي استثمار، وبأي شروط، ولصالح من؟ دون إجابات دقيقة، ستظل السواحل المصرية عنوانًا لفرص مهدرة، لا لتنمية حقيقية.