قبل أسابيع قليلة من رمضان، خرجت الحكومة لتعلن «الحل السحري» لأزمة قفزات أسعار الدواجن: اتفاق ثلاثي بين وزارة التموين والتجارة الداخلية ووزارة الزراعة واستصلاح الأراضي وجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة على استيراد كميات كبيرة من الدواجن المجمدة ومجزءاتها من عدة دول، وطرحها بالمنافذ الرسمية «بأسعار مخفضة» قبل الشهر الكريم.

 

الخطاب الرسمي يقدّم الخطوة بوصفها جزءًا من «مثلث الأمن الغذائي» وسلاحًا لضبط الأسواق وامتصاص موجة الغلاء.

 

لكن خلف هذا الإعلان المطمئن تتراكم أسئلة صعبة: لماذا نلجأ إلى الاستيراد في سوق تقول الحكومة نفسها إن إنتاجه المحلي مرتفع؟ ولماذا يُسند ملف تلو الآخر لكيان واحد مثير للجدل؟ وما الذي يعنيه هذا المسار لمنتج صغير يقف وحده أمام كارتلات الأعلاف ورأس المال، ولمستهلك يعيش على حافة الفقر؟

 

قرار عاجل يطفئ نار الأسعار.. دون أن يقترب من المرض الحقيقي

 

وفق البيانات الحكومية، جرى الاتفاق على استيراد كميات «كبيرة» من الدواجن المجمدة والصدور والأوراك، من دول متعددة، بهدف تنويع مصادر الإمداد وتوفير السلعة في الأسواق، على أن تُطرح الشحنات الأولى عبر منافذ الوزارتين والجهاز قبل رمضان بأسعار أقل من السوق، في محاولة لكبح موجة الارتفاع التي سبقت الموسم.

 

من حيث المبدأ، لا يجادل أحد في حق الدولة في التدخل السريع إذا تحولت الدواجن – وهي بروتين الفقراء – إلى سلعة «ترف». لكن هذا التدخل يبقى، في نظر كثير من الاقتصاديين، علاجًا لأعراض الحمى لا لمسبباتها.

 

فالقرارات الحكومية نفسها كانت تتحدث قبل أسابيع عن تحسّن في إنتاج الدواجن، واستعادة جزء من طاقة المزارع التي خرجت من السوق بعد أزمة الأعلاف، ما يعني أن «المشكلة» ليست في قلة الإنتاج بقدر ما هي في حلقات التداول، وهوامش الربح، وهيمنة عدد محدود من الكيانات على سلاسل الإمداد.

 

هنا تحذر الخبيرة الاقتصادية د. عالية المهدي، في سياقات تحليلية سابقة، من أن أي سياسة اقتصادية لا تُبنى على بيانات شفافة ومصارحة بحجم الفقر والاختلالات البنيوية، تتحول إلى مسكنات قصيرة الأجل؛ فـ«الأحوال المعيشية للمواطنين تستمر في التدهور رغم الأهداف المعلنة بخفض التضخم وزيادة النمو».

 

بالقياس على ملف الدواجن، تبدو الصورة شبيهة: قرارات عاجلة تُسوَّق كنجاح، بينما يظل سؤال «لماذا ترتفع الأسعار مع كل موجة استهلاك موسمية رغم ثبات أو تحسن الإنتاج؟» معلّقًا بلا إجابة واضحة، لأن أحدًا لا يريد أن يقترب من بنية السوق نفسها، ومن توزيع القوة داخلها بين كبار المنتجين والوسطاء والجهات ذات النفوذ.

 

من القمح إلى الدواجن… توسع «مستقبل مصر» بين الأمن الغذائي وتركيز النفوذ

 

أكثر ما يثير الجدل في القرار ليس الاستيراد في حد ذاته، بل الجهة التي أُسندت إليها المهمة: جهاز «مستقبل مصر».

 

فالجهاز الذي ارتبط اسمه في السنوات الأخيرة بمشروعات زراعية كبرى، دخل بقوة على خط استيراد القمح في 2025، وسط اتهامات بأن السعر الذي يبيع به للحكومة أعلى من السعر العالمي، وهي الاتهامات التي وصلت إلى البرلمان وأثارت نقاشًا تلفزيونيًا ساخنًا شارك فيه الخبير الاقتصادي والنائب د. محمد فؤاد، حين سأل بوضوح: «الجهاز بيكسب إيه وإزاي؟ ومن يتحمل فارق السعر؟».

 

اليوم، يتكرر المشهد نفسه تقريبًا، لكن هذه المرة في ملف الدواجن. فبدلًا من أن تتولى هيئات عامة متخصصة أو شركات خاضعة لرقابة برلمانية مستقلة هذا الدور، يُعاد تكريس جهاز واحد بوصفه «الذراع» التي تعبر من القمح إلى الدواجن وربما إلى سلع أخرى، تحت لافتة الأمن الغذائي.

 

فؤاد، الذي حذر غير مرة من أن السنوات 2020–2025 كانت «الأسوأ اقتصاديًا» مع قفزة في نسب الفقر وتفاقم في الدين الخارجي، يرى أن المشكلة الجوهرية في مثل هذه الترتيبات أنها تعمّق تركّز القرار الاقتصادي في أيدٍ محدودة، وتُضعف آليات المنافسة والرقابة؛ فحين يتضخم دور كيان واحد في استيراد السلع الاستراتيجية، يصبح السؤال عن تكلفة الاستيراد، وهوامش الربح، وطبيعة العلاقة بينه وبين السلطة التنفيذية، سؤالًا سياسيًا بقدر ما هو اقتصادي.

 

من زاوية أخرى، يلفت خبراء سوق إلى أن «الدواجن المستوردة» نفسها يمكن أن تتحول إلى أداة ضغط على المنتج المحلي إذا طُرحت بكميات كبيرة وبأسعار مدعومة في موسم ذروة، ثم انسحبت الدولة بعد ذلك تاركة المربي الصغير مكسورًا أمام موجة أعلاف جديدة.

 

وهكذا تتحول سياسة «الإغراق المؤقت» إلى حلقة ضمن مسلسل خروج المزيد من المنتجين الصغار من السوق لصالح كيانات كبرى تملك الوصول إلى التمويل والعملات الصعبة – وفي مقدمتها الجهات نفسها التي تدير ملف الاستيراد.

 

استيراد مستمر في اقتصاد يئن من الديون… قراءة أوسع من منظور سالي صلاح

 

في قراءة أوسع للمشهد، تربط الخبيرة الاقتصادية د. سالي صلاح بين نمط متكرر من إدارة الأزمات الاقتصادية في مصر – يقوم على المزيد من القروض والاستيراد وبيع الأصول – وبين ما تسميه «الحلقة المميتة من الديون» التي تعرّض السيادة الاقتصادية للخطر.

 

فبيانات الدين الخارجي التي استعرضتها في تحليلات حديثة تشير إلى قفزات متتالية في حجم الدين وخدمة الدين، بما يجعل جزءًا ضخمًا من موارد الدولة مرهونًا لسداد الفوائد والأقساط بدل الاستثمار في الإنتاج الحقيقي.


من هذا المنظور، يبدو قرار استيراد الدواجن – حتى لو كان مبررًا بضبط أسعار رمضان – امتدادًا لعقلية إدارة قصيرة الأمد:

 

كلما اختنق السوق نفتح صنبور الاستيراد، مستندين إلى جهاز واحد «قوي» يستطيع توفير العملة والتفاوض، دون أن نغيّر شيئًا في البيئة التي خنقت المنتج المحلي أصلًا؛ من أسعار الأعلاف إلى تكلفة الطاقة، ومن غياب التأمين على المزارع الصغيرة إلى فوضى حلقات النقل والتوزيع.

 

صلاح حذرت كذلك من أن الارتهان لقرارات خارجية في ملفات الطاقة والغذاء، كما في ملف الغاز، يكشف هشاشة الاعتماد على مصادر محدودة، ويضع الاقتصاد تحت رحمة ما وصفته بـ«تحولات استراتيجية» لا يملك فيها صانع القرار المحلي سوى هامش ضيق للحركة.

 

وإذا نُقل هذا التحليل إلى ملف الغذاء، يصبح السؤال: إلى أي مدى يمكن لاقتصاد يعاني أصلًا من نقص العملة الصعبة، ومن تضخم فاتورة الاستيراد، أن يستمر في استخدام الاستيراد كأداة أولى لضبط الأسعار، بدل أن تكون ورقة أخيرة في يد سياسة إنتاجية متماسكة؟

 

في النهاية، قد ينجح استيراد الدواجن في خفض السعر بضع جنيهات خلال أسابيع رمضان، وقد تصطف الكاميرات أمام منافذ البيع لتوثيق «الإنجاز». لكن الحساب الأوسع – الذي تطرحه أصوات مثل سالي صلاح وعالية المهدي ومحمد فؤاد – يقول إن الأمن الغذائي لا يُبنى على شحنات طارئة، ولا على جهاز واحد يمسك بمفاتيح الاستيراد، بل على سوق شفافة، ومنافسة عادلة، ودعم حقيقي للإنتاج المحلي، وخروج تدريجي من دائرة الديون والاعتمادية.

 

دون ذلك، سيظل المواطن المصري يعيش بين موسمين: موسم وعود رسمية بانفراج قريب، وموسم واقع يومي يدفع فيه ثمن سياسات لا يُستشار فيها، لا وهو يشتري كيلو الدواجن، ولا وهو يراقب من بعيد كيف تُدار «أمنه الغذائي» خلف أبواب مغلقة.