منذ انطلاق عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، تشهد المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إعادة صياغة شاملة لعقيدتها القتالية والأمنية، في تحول يوصف بأنه الأعمق منذ عقود.
ويرى محللون وخبراء أن الاحتلال انتقل من نهج الاحتواء وقواعد الاشتباك المقيدة إلى استراتيجية تقوم على إعادة تعريف القوة بوصفها أداة لفرض الإرادة، عبر استخدام مفرط للقوة وتكريس التدمير الشامل كركيزة مركزية في الردع وإدارة الصراع، وفقًا لـ"قدس برس".
القوة كأداة دائمة لا خيارًا اضطراريًا
يقول المختص في الشأن الإسرائيلي، ياسر مناع، إن استخدام القوة كان دائمًا جوهر العقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ تأسيسها. ويضيف أن الجديد اليوم لا يكمن في اكتشاف الاحتلال للقوة، بل في مستوى استخدامها وطريقة توظيفها؛ إذ انتقل من قوة محسوبة كانت تغلف بمصطلحات مثل إدارة الصراع والاحتواء، إلى قوة أكثر اتساعًا وفجاجة في الخطاب والممارسة. ويؤكد مناع أن التفوق القتالي والتنكيل بالخصم باتا السياسة المعلنة والوحيدة للاحتلال.
مرتكزات العقيدة الهجومية الجديدة
من جانبه، يوضح الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية رامي أبو زبيدة أن العقيدة الجديدة ترتكز على ثلاثة عناصر رئيسية.
الأول، تقديس الضربة الاستباقية كأداة لإدارة البيئة الإقليمية. الثاني، اعتماد الاستخدام الدوري للقوة كروتين استراتيجي لمنع تعاظم قوة المقاومة الفلسطينية. أما الثالث، فيتمثل في تبني مفهوم الردع عبر الكلفة التدميرية، بحيث لا ينظر إلى الدمار الواسع وتفكيك البنى التحتية كآثار جانبية للحرب، بل كأهداف مقصودة تهدف لإيصال رسالة بأن أي مواجهة مستقبلية ستكون تكلفتها وجودية وقاسية، وهو ما يفسر حجم الدمار غير المسبوق في قطاع غزة.
من الكيان المتعايش إلى الكيان الحاكم بالقوة
الكاتب والباحث محمد القيق يرى أن التحول في العقيدة العسكرية يخدم رؤية سياسية أوسع، تهدف إلى تحويل الاحتلال من كيان يعيش وسط المحيط العربي إلى كيان يحكم العرب بالردع والعربدة. ويشير القيق إلى أن هذه العقيدة تسعى لفرض واقع جغرافي جديد يقوم على توسيع الحدود والتعامل مع الفلسطينيين كتجمعات سكانية بلا حقوق سياسية.
ويحذر من أن هذا التوجه التوسعي يثير قلقًا دوليًا وأوروبيًا خشية انفجار موجات هجرة كبرى، أو حتى انهيار المشروع الإسرائيلي نتيجة الإفراط في استخدام القوة، بما يعيد أزمات تاريخية عرفتها المنطقة لعقود.
جذور العقيدة الأمنية الإسرائيلية
تاريخيًا، تأسست العقيدة الأمنية الإسرائيلية على ثلاثية الإنذار المبكر، الردع، والحسم السريع، وهي مبادئ وضع لبناتها الأولى ديفيد بن غوريون لتعويض النقص العددي والجغرافي عبر القوة النوعية.
ومع مرور العقود، انتقل الاحتلال إلى مفهوم إدارة الصراع وتكتيك جز العشب (استخدام قوة محدودة لمنع تنامي المقاومة)، كما توضح دراسات مختصة بالعقيدة الأمنية الإسرائيلية. لكن ما بعد طوفان الأقصى يشير إلى انتقال واضح نحو عقيدة هجومية أكثر شراسة، تجعل من القوة المفرطة والتدمير الواسع أدوات مركزية في إدارة الصراع.

