أثار مقطع قصير للإعلامية قصواء الخلالي موجة واسعة من الجدل؛ ليس لطرافة جملة عابرة أو انفعال على الهواء، بل لأنه بدا، لأول مرة منذ زمن، اعترافًا صريحًا من داخل شاشة موالية بأن العدالة في مصر لا تُطبَّق على الجميع، وأن من يجرؤ على الاقتراب من مقام الوزير لا يُنتَظر أن يُكافَأ، بل يُدفَع به إلى “البيت” بعيدًا عن الأضواء.

 

قصواء استدعت حديثًا نبويًا يحذر من هلاك الأمم حين تُحابي “الشريف” وتُعاقِب “الضعيف”، ثم أسقطته مباشرة على واقع إعلامي وسياسي يعرفه المصريون جيدًا: الفقير والغلبان يدفع الثمن كاملًا، أما أصحاب المناصب فلا يقترب منهم إلا من لا يخشى الإقصاء والمنع.

 

هكذا، تحوّل المقطع القصير إلى وثيقة سياسية، تشهد فيها إعلامية من داخل المنظومة على طبيعة هذه المنظومة، وإن حاولت أن تقدّم ذلك في ثوب “موعظة دينية”.

 

 

مشهد قصواء: حديث نبوي في مواجهة واقع معوج

 

في الفيديو المتداول على منصة “إكس”، تستحضر قصواء الخلالي المعنى الوارد في الحديث النبوي الشريف:

إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.

 

ثم تبني عليه مباشرة، فتشرح أن هذا هو جوهر الظلم؛ أن يتحول القانون إلى سيف على رقاب الفقراء فقط، بينما يلين ويتحايل حين يصل إلى أصحاب النفوذ والجاه.

هنا لا تتحدث قصواء في فراغ، بل تخاطب جمهورًا يعرف جيدًا قصص الموظف الصغير الذي يُعلَّق على شماعة الفساد، بينما تمرر ملفات الكبار بلا تحقيق جاد ولا محاسبة حقيقية.

 

لكن الجملة الأكثر قسوة ليست في استدعاء الحديث، بل في إسقاطه على وضع الإعلام نفسه؛ فقصواء تقول بوضوح إن من يجرؤ على انتقاد وزير “يقعد في البيت”.

أي أن “الحد” في عالم الشاشة لا يُقام على الفاسد أو المقصِّر، بل على من تجرأ وسمّاه أو أشار إليه. بهذا، يصبح الحديث النبوي ليس مجرد استشهاد ديني، بل مرآة تعكس واقعًا سياسيًا: من يقاوم الظلم يُعاقَب، ومن يمارسه يُحمى.

 

استدعاء النص الديني هنا يفعل شيئًا مزدوجًا؛ من جهة يمنح الكلام شرعية أخلاقية عالية يصعب التشكيك فيها، ومن جهة أخرى يضع النظام أمام مقارنة محرجة مع معيار النبوة: أليست هذه هي نفس الازدواجية التي حذَّر منها النبي؟ أليس هذا هو الطريق إلى هلاك الأمم؟

 

اعتراف من داخل الشاشة: ممنوع الاقتراب من الوزير

 

أخطر ما في المقطع ليس نقد ازدواجية المعايير فحسب، بل الاعتراف العفوي بطبيعة النظام الإعلامي.

حين تقول إعلامية على قناة رسمية أو شبه رسمية إن انتقاد وزير يكلف صاحبَه إقصاءه عن الشاشة، فهي تقول، من حيث لا تشاء، إن الحديث عن “إعلام حر” ليس إلا ديكورًا. الرسالة واضحة:

 

هناك مناطق محرَّمة لا يقترب منها المذيع ولا الكاتب ولا المعلق؛ على رأسها الوزير والمسؤول الكبير.

يمكن أن تتحدث عن أخطاء عامة، عن “مشكلات”، عن “تحديات”، لكن لحظة أن تضع اسمًا محددًا في جملة نقد، تكون قد تجاوزت الخط الأحمر، ويُفتَح لك باب البيت لا باب الاستوديو.

 

هذا الاعتراف يحوّل المقطع إلى وثيقة إدانة للنظام الإعلامي نفسه.

فهو يكشف أن وظيفة كثير من البرامج ليست مراقبة السلطة ولا مساءلتها، بل إدارة الرأي العام في حدود المسموح، مع ترك هامش صغير لما يمكن تسميته “التنفيس المضبوط”: نقد مبهم، عبارات عامة عن الظلم، أسف على حال الغلابة، لكنها كلها تدور بعيدًا عن مربط الفرس؛ من يملك القرار؟ من يحمي الوزير؟ ومن يقرر أن هذا المذيع يبقى وذاك يختفي؟

 

المفارقة أن هذا الكلام يخرج من إعلامية شاركت، لعوام طويلة، في خطاب رسمي يقوم على تلميع السلطة والهجوم على كل معارض أو صوت مختلف.

لكنها، في لحظة صدق أو غضب، تعترف بأنها هي نفسها مهددة إن كسرت القالب وانتقدت وزيرًا بالاسم.

بذلك لا تعري النظام فحسب، بل تكشف أيضًا هشاشة “النجم الإعلامي” الذي يبقى نجمه معلقًا بخيط يملكه من فوقه.

 

عدالة بوجهين ونظام يخشى الكلمة أكثر من خوفه من الفساد

 

إذا جمعنا خيوط الصورة التي يرسمها الفيديو، نصل إلى نتيجة ثقيلة: نحن أمام منظومة عدالة بوجهين؛ وجه شرس يُظهِر قوته على الفقير والمواطن العادي، ووجه متسامح ناعم حين يتعلق الأمر بأصحاب السلطة.

ما تلمّح إليه قصواء ليس مجرد قصور في تطبيق القانون، بل فلسفة حكم كاملة تقوم على حماية “الكبير” وتقديم “الصغير” قربانًا للواجهة.

المواطن يسمع يومًا بعد يوم شعارات عن “الجمهورية الجديدة” و“مكافحة الفساد”، لكنه يرى في الواقع أن أقصى ما يحدث هو التضحية بموظف محدود أو مسؤول من الصف الثاني، بينما تبقى الدوائر العليا خارج أي مساءلة حقيقية.

 

في هذا السياق، يصبح الإعلام جزءًا من المشكلة لا من الحل؛ لأنه، كما تقول قصواء، يعرف جيدًا أين تتوقف الكاميرا وأين يُمنع السؤال.

المذيع الذي يغامر بالخروج عن النص لا يجازف فقط بوظيفته، بل أحيانًا بسلامته، ولهذا يفضّل أغلبهم أن يكتفي بدور “المُلقِّن” لا “الرقيب”.

ومع ذلك، يأتي هذا المقطع ليقول إن الضغط محسوس حتى لدى من هم داخل المنظومة، وإن الخوف ليس حكرًا على المعارضين أو المهمّشين، بل يمتد إلى من يجلس أمام الكاميرا ويرتدي ثوب “المؤيد”.

 

هنا تكمن حدة الفيديو وخطورته في آن واحد؛ فهو من جهة يفضح غياب العدالة المتساوية، ومن جهة أخرى يكشف عن نظام يخشى الكلمة أكثر مما يخشى الفساد، لأنه يعرف أن كلمة صادقة على الهواء قد تهدم ما تبنيه مئات ساعات التلميع.

وحين يصل الحال إلى أن تعترف إعلامية من داخل البيت بأن ثمن نقد وزير هو الجلوس في البيت، فإن الرسالة تصل للمواطن بلا تجميل: لا عدالة بلا مساواة أمام القانون، ولا إصلاح مع إعلام مكموم الفم، مهما حاول أن يتحدث باسم الدين والأخلاق.