مع انطلاق الفصل الدراسي الثاني في عدد من المحافظات، تتكرر النغمة المعتادة: “المدارس جاهزة”، “انضباط كامل”، “بيئة آمنة وجاذبة”.
عبارات لامعة تصلح للبيانات، لكنها لا تُقنع من يعيش الواقع يوميًا داخل الفصول.
المشكلة لم تعد في موعد بدء الدراسة أو طلاء الجدران أو طابور الصباح، بل في سؤال أبسط وأقسى: ماذا يخرج الطالب من المدرسة فعلًا؟ هل يكتسب عقلًا قادرًا على التفكير، أم مجرد قدرة على اجتياز امتحان ثم نسيان ما حفظه بعد أسبوع؟
المدرسة الحكومية اليوم تُدار غالبًا بمنطق “منع الفوضى” لا “صناعة المعرفة”.
انتظام شكلي يُستخدم كدليل نجاح، بينما الأزمة الحقيقية تتراكم في العمق: مناهج مثقلة، امتحانات تُحوّل التعلم إلى سباق درجات، معلم مُنهك، وكثافات تجعل “التعليم الفردي” مزحة ثقيلة. النتيجة: منظومة تشتغل… لكن لا تُنتج تعليمًا.
انتظام المدارس… إدارة تُلمّع الصورة وتترك جوهر الأزمة
لا أحد ينكر أن الوزارة تستطيع إداريًا ترتيب بدء الترم: تعليمات للمديريات، لجان متابعة، صيانة سريعة هنا وهناك، ونبرة حاسمة عن الغياب والتأخير.
لكن تحويل الانضباط إلى “إنجاز” بذاته يعكس ضيق أفق الفكرة التعليمية: نحن نحتفل بفتح الباب، بينما نتجاهل ما يحدث بعد دخوله.
خبراء مثل الدكتور أحمد عبد الحميد أشاروا سابقًا إلى أن التعليم ما زال يدور في دائرة مغلقة: تتغير المسميات والأنظمة، لكن الجوهر ثابت - حفظ وتلقين، بلا تدريب حقيقي على التفكير التحليلي أو ربط المعرفة بالحياة وسوق العمل.
وهنا تظهر المفارقة القاسية: المدرسة قد تكون “منضبطة”، لكنها لا تزال عاجزة عن إقناع الطالب أن وجوده فيها له معنى يتجاوز ورقة الامتحان.
الأخطر أن هذا “الانتظام الشكلي” يُستخدم كستار لتجميد النقاش حول أسئلة حاسمة: لماذا يتخرج طالب لا يجيد التعبير؟ لماذا يكره البحث؟ لماذا يخاف الخطأ وكأنه جريمة؟
لأن المدرسة اعتادت أن تكافئ الطاعة والحفظ، لا المبادرة والفهم. وعندما تُدار المؤسسة التعليمية بهذه الروح، يصبح الانضباط نوعًا من ضبط الإيقاع داخل أزمة، لا علاجًا لها.
تطوير المناهج… تجميل المحتوى مع إبقاء عقل الامتحان
الحديث عن “تطوير المناهج” يتكرر، لكن كثيرًا مما يحدث يُشبه تعديل ديكور غرفة تتساقط جدرانها. كما ترى الدكتورة سمر الدسوقي في تصريحات سابقة، المشكلة ليست فقط في فقرات تُحذف أو تُضاف، بل في فلسفة كاملة ما زالت تعتبر الطالب وعاءً للمعلومات. مناهج محمّلة بالكم، مشغولة بالتفاصيل، وتتعامل مع المعرفة كقائمة يجب حفظها لا كأداة لفهم العالم.
ثم يأتي الامتحان ليختم الصورة: طالما أن الامتحان يقيس الحفظ أكثر مما يقيس الفهم، فسيظل الطالب “يدرس للامتحان” لا للحياة. وبهذا تُختزل المدرسة إلى ماكينة تقييم، ويتحول العام الدراسي إلى ماراثون ضغط نفسي ومنافسة درجات. وحتى حين تظهر أنشطة وشعارات عن “مهارات القرن”، تبقى هامشية لأن قلب المنظومة—التقييم—لا يزال يعمل بالعقلية القديمة.
وعندما تصبح المدرسة عاجزة عن أداء وظيفتها التعليمية الأساسية، تتوسع الدروس الخصوصية ليس لأنها “ترف”، بل لأنها البديل العملي لفهم المنهج.
هنا تتحول العملية التعليمية إلى سوق، وتصبح العدالة التعليمية شعارًا فارغًا: من يدفع أكثر يتعلم أكثر، ومن لا يملك يُترك لمصيره داخل فصل مزدحم وشرح لا يصل للجميع.
ملايين الطلاب… منظومة واحدة تبتلع الفروق وتُنتج أجيالًا “تنجح” بلا فهم
مع دخول الترم الثاني، نتحدث عن ملايين الطلاب في منظومة شبه موحدة تُطبّق المعايير نفسها على بيئات مختلفة جذريًا.
هذا “التوحيد” يبدو عادلًا من بعيد، لكنه في الواقع يطمس الفروق الفردية والاجتماعية والجغرافية.
ما يصلح لمدرسة مكتظة في مدينة كبرى لا يصلح لمدرسة في قرية تفتقد الإمكانات، ومع ذلك تُدار المنظومة وكأن الجميع يعيشون الظروف نفسها.
الخبير التربوي محمد عبد اللطيف رضوان حذر في كتابات تحليلية من أخطر نقطة: التعامل مع الطالب كرقم داخل ماكينة ضخمة.
الطالب هنا ليس مشروع إنسان يتطور، بل “ملف” ينتقل من صف إلى صف.
والنتيجة المنطقية -كما يراها كثيرون- أجيال تحفظ كثيرًا وتفهم قليلًا، وتدخل الجامعة أو سوق العمل بقدرات هشة في التفكير، والتواصل، وحل المشكلات.
ثم يأتي العامل الأكثر حساسية: المعلم. الدكتورة منى فؤاد تُصيب جوهر القضية حين تؤكد أن أي حديث عن تطوير التعليم يبدأ من المعلم: اقتصاديًا وتربويًا.
لأن المعلم إذا كان مُنهكًا أو غير مؤهل أو بلا دعم حقيقي، فلن تنقذه مناهج “مطوّرة” ولا منصات رقمية.
المنهج الجيد في يد معلم غير مدعوم يتحول إلى نص جامد، ومعلم قوي بلا أدوات حديثة يتحول إلى فرد يحارب وحده داخل نظام لا يرحم.
في النهاية، الأزمة ليست “ظروفًا استثنائية” ولا “تحديات طبيعية”. إنها أزمة نموذج: تعليم يُدار بالبيانات، ويُقاس بالانضباط، ويُختزل في الامتحان، ويترك المدرسة بلا روح.
الترم الثاني قد يبدأ في موعده، لكن السؤال الذي يطارد الجميع: هل يبدأ معه تعليم حقيقي… أم مجرد فصل جديد في نفس القصة القديمة؟

