في تطور يعكس حجم الاحتقان في سوق العمل المصري، تقدمت دار الخدمات النقابية والعمالية بمذكرة عاجلة إلى رئاسة مجلس الوزراء، تطالب فيها بإلغاء قراري وزير العمل رقم 187 ورقم 289 لسنة 2025، موقَّعة من 29 حزبًا ومنظمة حقوقية وتنظيمًا نقابيًا.

المذكرة لا تتحدث عن «ملاحظات فنية» بل عن «مخالفة صريحة للقانون» ونسف لجوهر قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025، واعتداء مباشر على واحد من أقدم الحقوق المستقرة للعمال: الحماية من استمارة الاستقالة بالإكراه، وحق عمال الصناعة في أسبوع عمل لا يتجاوز 42 ساعة.

 

القرار 187 الخاص بآليات اعتماد الاستقالات العمالية، من وجهة نظر هذه القوى، يعيد من الباب الخلفي «استمارة 6» بكل ما تمثله من فصل تعسفي مقنَّع.

أما القرار 289 المتعلق بتحديد ساعات العمل بالمنشآت الصناعية، فيُتهم بأنه ينتقص من حق مكتسب تاريخيًا لعمال الصناعة، ويرفع عمليًا سقف ساعات العمل بالمخالفة للنصوص الصريحة لقانون العمل والقانون 133 لسنة 1961.

 

خلف لغة المذكرات الرسمية، تقف وقائع حية: عمال يجبرون على الاستقالة تحت تهديد الأمن الوطني، ومشروعات صناعية تحاول فرض ساعات أطول دون سند قانوني، قبل أن تتراجع تحت ضغط التهديد بالإضراب.

الصورة العامة تقول بوضوح: قرارات وزير العمل فتحت جبهة مواجهة واسعة مع الحركة العمالية، والقضية لم تعد تفصيلة إدارية بل مساس مباشر بميزان القوة بين العامل وصاحب العمل.

 

قرار 187: عندما تتحول «الاستقالة الطوعية» إلى غطاء للفصل التعسفي

 

المذكرة المشتركة تنطلق من نقطة قانونية واضحة: المادة 167 من قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 وضعت لأول مرة حماية قوية في ملف الاستقالة، فألزمت باعتمادها من الجهة الإدارية المختصة، لضمان صدورها بإرادة حرة، ولإغلاق باب استمارات الاستقالة الموقَّعة على بياض والمستخدمة للفصل التعسفي.

لكن قرار وزير العمل رقم 187 استحدث استثناء خطيرًا: السماح بإنهاء علاقة العمل «اتفاقًا بين الطرفين» خارج نفس الضوابط، وكأن الاستقالة شيء، و«الاتفاق على الإنهاء» شيء آخر.

 

دار الخدمات النقابية والعمالية، ولجنة الحريات التابعة لها، اعتبرت هذا الاستثناء «ثغرة تشريعية» تعيد الوضع إلى ما قبل قانون العمل الجديد، وتفتح الباب لصاحب العمل كي يستدعي العامل إلى مكتب الموارد البشرية، يلوّح له بملفاته أو أمن الدولة أو الحرمان من مستحقاته، ثم يضع أمامه ورقة «اتفاق بالتراضي» جاهزة للتوقيع، بلا أي رقابة إدارية أو ضمانة حقيقية لحرية الإرادة.

لذلك قالت الدار بوضوح: الوزارة «تعيد استمارة 6 من الباب الخلفي» عبر القرار 187.

 

النموذج الذي أوردته المذكرة عن الشركة التركية المصرية لصناعة الملابس يشرح كيف تعمل هذه الثغرة على الأرض: عاملان يشاركان في إضراب نهاية الشهر، تستدعيهما الإدارة، تُخَيِّرهما بين الاستقالة أو بلاغ للأمن الوطني بتهمة التخريب والتحريض على تعطيل العمل، فيذعنان تحت الضغط ويخرجان من المصنع بلا كامل حقوقهما.

على الورق يبدو الأمر «اتفاقًا بالتراضي»، لكن في الواقع هو استقالة بالإكراه ممهورة بتوقيع مذعور.

 

هنا يظهر جوهر انتقاد القوى الموقعة: الوزير ليس فقط تجاهل روح قانون العمل الذي أراد تحصين العامل ضد الابتزاز، بل ذهب خطوة أخرى في الاتجاه المعاكس، وأعطى صاحب العمل أداة جديدة لتصفية الأصوات المزعجة أو النشطاء النقابيين، تحت غطاء قانوني اسمه «إنهاء علاقة العمل بالاتفاق».

 

قرار 289: تمديد ساعات العمل ودهس حق تاريخي عمره أكثر من نصف قرن

 

إذا كان القرار 187 يضرب في استقرار علاقة العمل من باب الاستقالة، فإن القرار 289 يضرب في صميم الحق في وقت العمل نفسه.

فالمادة 117 من قانون العمل الجديد حددت الحد الأقصى لساعات العمل بـ 8 ساعات يوميًا و 48 ساعة أسبوعيًا، «مع عدم الإخلال» بالقانون رقم 133 لسنة 1961، الذي قصر ساعات العمل في بعض المنشآت الصناعية على 42 ساعة أسبوعيًا.

هذا النص لم يأت من فراغ، بل رسخ حقًا مستقرًا لعقود لعمال الصناعة الثقيلة والخطرة في أسبوع عمل أقصر.

 

القرار الوزاري 289، بحسب نص المذكرة وآراء قانونيين ونقابيين، يتجاهل هذا الترتيب تمامًا، ويضع ساعات عمل جديدة للمنشآت الصناعية تمثل في جوهرها زيادة عن السقف التاريخي في قطاعات ظلت تعمل فعليًا بـ 42 ساعة أسبوعيًا.

 

المذكرة تذكر بوضوح أن سلطة الوزير وفق القانون تنحصر في تخفيض الحد الأقصى لساعات العمل لبعض الفئات أو الصناعات، وليس زيادته، وأن أي محاولة لتوسيع اليوم أو الأسبوع العملي عبر قرار وزاري هي خروج صريح على التفويض الذي منحه له قانون العمل نفسه.

 

دار الخدمات النقابية تستشهد بتجربة بورسعيد لتؤكد أن المسألة ليست نظرية: إدارة المشروعات الصناعية في المنطقة الاستثمارية حاولت بالفعل زيادة ساعات العمل استنادًا إلى القرار 289، لكن تهديد العمال بالدخول في إضراب شامل أجبر الإدارة على التراجع وإلغاء القرار محليًا، في ما وصفته الدار بأنه «انتصار للعمال» ودليل على خطورة التوسع في تطبيق قرار يفتقد أساسًا قانونيًا سليمًا.

 

عمليًا، رفع ساعات العمل يعني أمرين لا ثالث لهما: إما أن يعمل العمال وقتًا أطول بنفس الأجر، فيتم تخفيض أجر الساعة فعليًا؛ أو يعملون بساعات إضافية شكلًا، لكن تحت ضغوط تجعل رفض «الأوفر تايم» ضربًا من الخيال، فتتحول الزيادة القانونية إلى أداة لاستنزافهم بدنيًا ونفسيًا.

في الحالتين، نحن أمام انتقاص من حق مستقر، وتفريغ للحديث الحكومي عن «العمل اللائق» من مضمونه.

 

29 كيانًا سياسيًا ونقابيًا في جبهة واحدة: معركة على روح قانون العمل وميزان القوى في سوق الشغل

 

قوة هذه المواجهة لا تأتي فقط من مضمون النقد، بل من اتساع الجبهة الموقعة على المذكرة.

فإلى جانب دار الخدمات النقابية والعمالية، نجد أحزابًا مثل حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، الحزب الشيوعي المصري، حزب العيش والحرية (تحت التأسيس)، الحزب الاشتراكي المصري؛ ومنظمات حقوقية مثل المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، والمؤتمر الدائم للمرأة العاملة، والمنظومة العمالية المصرية؛ وتنظيمات قاعدية تخص فئات شديدة الهشاشة اجتماعيًا مثل لجان نقابية لصيادي دمياط وعزبة البرج والجمالية، ونقابة أندية هيئة قناة السويس، واللجنة النقابية للعاملين بشركة الشوربجي.

 

هذا الطيف الواسع يقول إن القضية لم تعد خلافًا بين منظمة عمالية واحدة ووزارة العمل، بل معركة أوسع على من يملك أن يُعيد صياغة قواعد اللعبة في سوق العمل المصري: هل هو قانون العمل الذي أُقر بعد جدل طويل، أم قرارات وزير يمكن أن «تُفصِّل» ثغرات تبتلع ما في القانون من ضمانات؟

 

المذكرة تصف القرارين بأنهما «يمسان حقوق فئات عمالية واسعة» ويمثلان «تراجعًا خطيرًا عن الحماية التي أقرها القانون»، وتطالب رئيس الوزراء صراحة بإلغائهما، لا تعديلهما فقط، باعتبار أن مجرد بقائهما قائمين يمنح أصحاب الأعمال سلاحًا إضافيًا في مواجهة العمال: استقالة «بالاتفاق» يمكن استخدامها ضد أي عامل مزعج، وساعات عمل «ممدَّدة» يمكن فرضها في مناطق صناعية بعينها كما حدث في بورسعيد قبل التراجع.

 

في الخلفية، تشير تقارير عمالية إلى ما لا يقل عن 100 احتجاج عمالي خلال عام 2025 وحده، بين إضرابات واعتصامات ووقفات، ما يعني أن قرارات من هذا النوع تصب الزيت على نار مشتعلة أصلًا في قاع المجتمع، وتحوّل قانون العمل الجديد من أداة تهدئة وضبط لتوازن القوى، إلى أداة اشتباك جديدة إذا أصر الوزير على استخدامه بهذا الشكل.

 

بهذه القراءة، معركة إلغاء القرارين 187 و289 ليست مجرد تصحيح تقني، بل اختبار لمعادلة كاملة: هل يمرر النظام التنفيذي ما يعتبره العمال «انقلابًا على قانون العمل من داخله»، أم يضطر – تحت ضغط النقابات والقوى السياسية واحتمالات التصعيد في المصانع – إلى التراجع، كما حدث في بور سعيد، ويفهم أن اللعب في منطقة الاستقالة وساعات العمل يعني اللعب في صميم الأمان الاجتماعي لملايين الأسر العاملة في مصر؟