أقرّ مجلس النواب، برئاسة المستشار هشام بدوي، اتفاقًا تمويليًا جديدًا مع الاتحاد الأوروبي لمنحة قدرها 75 مليون يورو، قيل إنها موجهة لدعم “الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية على المستوى المحلي”، مع وعود بتحسين التعليم والصحة والمياه في المناطق العشوائية والأقل حظًا، مع اهتمام خاص بالنساء والشباب واللاجئين.

 

على الورق، تبدو المنحة استجابة لاحتياجات ملحة في بلد تتآكل فيه الخدمات الأساسية تحت ضغط التضخم والديون. لكن النقاش البرلماني، وآراء خبراء الاقتصاد والحقوق، يكشفان أن السؤال الأهم ليس: كم سنحصل؟ بل: كيف سننفق؟ ومن يراقب؟ وهل تتغير البنية التي عطلت أثر منح وقروض سابقة؟

 

برلمان منقسم: بين من يرى “فرصة تنموية” ومن يخشى غياب البوصلة

 

داخل الجلسة العامة، انقسمت مداخلات النواب إلى معسكرين واضحين: معسكر يعتبر المنحة فرصة لا ينبغي تفويتها، ومعسكر متحفظ يخشى إعادة إنتاج نمط معروف من التمويل الخارجي الذي يتبخر أثره في الطريق إلى المواطن.

 

بعض النواب، مثل السيد القصير، تعاملوا مع المنحة من زاوية تنموية تقليدية: ضخ أموال في ملفات التعليم والصحة والعشوائيات يعني – نظريًا – تحسينًا مباشرًا في حياة الفئات الأفقر.

 

لكن القصير لم يُخفِ قلقه من أسلوب التنفيذ، منتقدًا أن تتم المشتريات والمعدات عبر الاتحاد الأوروبي نفسه، بما يحمله ذلك من بيروقراطية، وارتفاع في التكاليف، وإقصاء فعلي للموردين والكوادر المحلية التي يمكن أن تستفيد من دورة الإنفاق.

 

دعوته إلى إسناد التنفيذ للجهات المحلية ليس مجرد تفصيل إداري؛ بل جوهر السؤال: هل المال سيعمل داخل الاقتصاد المصري، أم سيخرج جزء كبير منه في صورة عقود لشركات أوروبية تحت عنوان “مساعدات”؟

 

النائب مصطفى بكري ركّز على البعد الجغرافي والاجتماعي، مطالبًا بتوجيه المنحة لعشوائيات الصعيد التي تعاني من تراجع الخدمات الأساسية بشكل ممتد.

 

هذا الطرح يعكس إدراكًا لتفاوتات إقليمية حادة؛ إذ اعتادت برامج كثيرة أن تتركز في حزام العاصمة والدلتا، بينما تبقى محافظات الجنوب في آخر الصفوف.

 

في المقابل، جاء تحفظ النائب أحمد بلال البرلسي ليضع إصبعه على ثغرة أكبر: غياب وضوح آليات التنفيذ، وموقع الجهات الوطنية في إدارة التمويل.

 

تحفّظه لا يطعن في حاجة الناس للأموال، بل يشكك في أن هيكل الإدارة الحالي – الذي طالما مزج بين المشاريع التنموية والشبكات الزبونية والولاءات – قادر فعلًا على تحويل المنحة إلى إصلاح ملموس، لا إلى مجرد مشروع جديد في سجلات التعاون الدولي.

 

هيمنة الدولة والجيش… كيف تقيد أثر أي منحة؟

 

المنحة تُقدَّم رسميًا تحت عنوان “دعم الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية”، لكن خبراء دوليين يذكّرون بأن أي أموال تضخ في اقتصاد لا تزال الدولة والأذرع العسكرية تهيمن عليه بقوة، معرضة لأن تصطدم بسقف بنيوي لا يمكن تجاوزه بالمنح وحدها.

 

تحذير أنتوني دوركين من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية يلتقط هذه النقطة بوضوح: المشكلة ليست في حجم التمويل الخارجي، بل في بنية الاقتصاد نفسه، حيث يسيطر القطاع العام والأجهزة العسكرية على قطاعات واسعة، ما يضيق المساحة المتاحة للقطاع الخاص المستقل، ويقيد فرص المنافسة الحقيقية والتنمية المستدامة.

 

في مثل هذا السياق، يمكن لمنحة بحجم 75 مليون يورو أن تموّل برامج جزئية هنا وهناك، لكنها لن تعالج جذور الاختلال: سوء توزيع الموارد، ضعف الشفافية، غياب المنافسة، وتحول الدولة إلى لاعب تجاري ضخم وحَكَم في الوقت نفسه.

 

من زاوية أخرى، تذكّر منظمات حقوقية مثل منظمة العفو الدولية الاتحاد الأوروبي بأن أي دعم مالي غير مشروط بإصلاحات ملموسة في ملف حقوق الإنسان وسيادة القانون، من شأنه أن يعزز الوضع القائم بدل تصحيحه.

 

الرسالة بسيطة وقاسية: حين يذهب المال إلى دولة تُتَّهم بانتهاكات منهجية وحصار للمجال العام، دون ضمانات حقيقية على مستوى المساءلة والمشاركة والمراقبة المستقلة، يصبح الاتحاد الأوروبي شريكًا – ولو بالسكوت – في تثبيت بيئة تُنتج الهشاشة الاجتماعية نفسها التي يدّعي أنه يحاربها.

 

آليات التنفيذ بين بروكسل والقاهرة: من المستفيد الفعلي؟

 

إحدى النقاط الأكثر حساسية في الاتفاق تتعلق بآليات التنفيذ: شراء المعدات والخدمات عبر الاتحاد الأوروبي، وترتيبات التوريد التي قد تمر من خلال شركات أوروبية، أو عبر نظام مناقصات تُدار من بروكسل أكثر مما تُدار من القاهرة.

 

هذا ما نبّه إليه بعض النواب، الذين اعتبروا أن هذا النموذج يطيل أمد الإجراءات، ويرفع التكاليف، ويحرم السوق المصرية من فرصة الاستفادة التشغيلية؛ سواء في شكل عقود توريد أو بناء قدرات أو خلق وظائف مباشرة وغير مباشرة.

 

من حيث المبدأ، يمكن تفهّم أن الاتحاد الأوروبي يريد ضمانات على كفاءة الإنفاق ومكافحة الفساد. لكن حين تُصاغ الآليات بطريقة تحوّل المنحة إلى شبه “صفقة مغلقة” تعود فائدتها الاقتصادية الكبرى لشركات أوروبية، تصبح “المساعدة” أقرب إلى أداة نفوذ اقتصادي منها إلى تضامن إنساني.

 

وفي الجانب المصري، ما لم يكن هناك إصرار حكومي على توطين أكبر قدر ممكن من الإنفاق داخل السوق المحلية – مع شفافية حقيقية في الاختيار والمحاسبة – ستظل المنحة تتحرك في دوائر بعيدة عن المواطن الذي يُفترض أنها جاءت من أجله.

 

في النهاية، يبدو أن الجميع متفق – داخل البرلمان وخارجه – على أن ضخ 75 مليون يورو في ملفات التعليم والصحة والعشوائيات يمكن أن يكون مفيدًا نظريًا.

 

لكن التجربة مع منح وقروض سابقة تقول إن المال وحده لا يغير الواقع؛ ما لم يصاحبه تغيير في طريقة الحكم، وآليات الرقابة، وموقع المجتمع المحلي في تصميم المشاريع وتنفيذها.

 

بدون ذلك، ستمر هذه المنحة كما مرّ غيرها: أرقامٌ تُعلن في بيانات رسمية، ومشروعات متفرقة تُدشَّن أمام الكاميرات، بينما يظل المواطن في العشوائيات والصعيد والريف يتساءل: أين ذهبت كل تلك الأموال التي قيل إنها جاءت خصيصًا لأجلنا؟