في كلمته خلال مؤتمر استثمار الخطاب الديني والإعلامي، وجّه فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب، شيخ الأزهر، رسالة اجتماعية مباشرة تمسّ بيوت المصريين والعرب، محذرًا من تحوّل المهور وتكاليف الزواج إلى عبء يجرّ الأسر إلى الاستدانة والاقتراض، ومذكّرًا بأن الهدي النبوي قدّم نموذجًا مغايرًا يقوم على التيسير ورفع الحرج.

استدعى الطيب واقعة خاتم الحديد رمزًا لحدٍّ أدنى من المهر، ليؤكد أن القيمة في الزواج ليست مادية بل إنسانية وأخلاقية، وأن المغالاة تُفرغ العلاقة من معناها وتحوّلها إلى صفقة مالية ترهق الطرفين قبل أن تبدأ حياتهما المشتركة.

هذا الطرح لم يكن وعظًا مجردًا، بل قراءة لواقع اجتماعي تتفاقم فيه تكاليف الزواج إلى حدٍّ يدفع الشباب إلى التأجيل، ويدفع الأسر إلى الديون، ويصنع فجوة بين القيم الدينية والممارسات الاجتماعية.

 

الخطاب الديني بين التذكير بالقيم ومواجهة العادات

 

أكد شيخ الأزهر أن مسؤولية الخطاب الديني اليوم لا تقف عند حدود التذكير بالنصوص، بل تمتد إلى معالجة العادات التي ترسّخت حتى صارت أقوى من المقاصد.

فالمهور المرتفعة، وقوائم المتطلبات المبالغ فيها، وحفلات الزفاف التي تُقاس بالاستعراض، كلّها ممارسات صنعت عرفًا اجتماعيًا يضغط على الجميع.

حين يُذكّر الأزهر بسُنّة التيسير، فهو لا يصطدم بالمجتمع بل يحاول تحريره من عبءٍ صنعه بيده.

هذا التوازن بين النص والواقع هو ما يمنح الخطاب الديني فاعليته؛ إذ لا يكتفي بترديد المثال، بل يقدّم تفسيرًا عمليًا لكيفية تنزيله في حياة الناس.

ومن هنا جاءت الإشارة الرمزية إلى خاتم الحديد باعتبارها رسالة قوية بأن الحدّ الأدنى يكفي شرعًا لتحقيق المقصود، وأن ما زاد عن ذلك يخضع للعرف الذي ينبغي مراجعته إذا تحوّل إلى أذى.

 

المهور المرتفعة وأثرها على الاستقرار الأسري

 

المغالاة في المهور لا تتوقف آثارها عند لحظة العقد، بل تمتد إلى ما بعد الزواج.

فالشاب الذي يبدأ حياته الزوجية مثقلًا بالديون يدخل العلاقة تحت ضغط نفسي واقتصادي، وقد ينعكس ذلك على استقرار الأسرة لاحقًا.

كما أن الأسر التي تضطر للاقتراض من أجل تزويج بناتها تتحمل أعباءً طويلة الأمد قد تؤثر على بقية أفراد العائلة.

بهذا المعنى، تصبح المغالاة في المهر مسألة تمسّ السلم الاجتماعي، لأنها تُراكم الضغوط وتُضعف فرص الاستقرار.

حين يتحدث الأزهر عن هذه القضية، فهو يربط بين القيم الدينية ومفهوم الرفاه الاجتماعي، ويؤكد أن التيسير في الزواج ليس شأنًا فرديًا بل مصلحة عامة تقلّل من أسباب التوتر والتفكك.

 

الإعلام كشريك في إعادة تشكيل الوعي

 

لم يأتِ حديث الإمام الأكبر في سياق ديني صرف، بل ضمن مؤتمر يربط بين الخطاب الديني والإعلامي، في إشارة واضحة إلى أن تغيير الثقافة السائدة يحتاج إلى شراكة واسعة.

فالإعلام، بما يقدمه من صور لحفلات زفاف باهظة وتفاصيل استهلاكية، يساهم أحيانًا في تكريس معايير غير واقعية تدفع الناس إلى التقليد.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى خطاب إعلامي موازٍ يروّج لنماذج بسيطة وناجحة، ويعيد تعريف معنى الفرح بعيدًا عن الكلفة.

حين يتكامل دور المنبر مع دور الشاشة، يمكن خلق وعي جديد يعيد الاعتبار لفكرة الزواج كعلاقة إنسانية لا كحدث استعراضي.

 

وأخيرا فإن رسالة شيخ الأزهر حول المهور ليست تفصيلًا فقهيًا بل دعوة لإعادة ترتيب الأولويات الاجتماعية على ضوء القيم الأصيلة.

التيسير في الزواج يعني تخفيف الأعباء عن الشباب، وحماية الأسر من الديون، وإحياء معنى المودة والرحمة بعيدًا عن حسابات المظاهر.

بين خاتم الحديد والواقع المعاصر مسافة صنعتها العادات، ويبدو أن الأزهر يحاول اليوم ردم هذه المسافة بخطاب يلامس الواقع ويستحضر الهدي النبوي كحلٍّ عملي لمشكلة تتفاقم بصمت داخل البيوت.