تشتعل أزمة أسعار الهواتف المحمولة في مصر بوتيرة متسارعة: زيادات جديدة من شركات كبرى تبدأ فعليًا مع أول فبراير، اعترافات علنية من داخل شعبة المحمول بأن ما يجري «بلا مبرر اقتصادي»، وقرارات حكومية تصر على فرض رسوم على الهواتف الشخصية القادمة من الخارج، لتكتمل الحلقة: سوق راكد أصلًا، وشركات ترفع الأسعار بلا رقيب، وحكومة لا ترى في الهاتف أداة تعليم وعمل وحياة، بل «سلعة ترفيهية» يمكن جباية المزيد من الرسوم عليها.
النتيجة المباشرة: المستهلك وحده يدفع الفاتورة في سوق فقدت أي توازن حقيقي بين التكلفة والقدرة الشرائية.
زيادات فبراير: اعتراف رسمي بأن الأسعار ترتفع «بلا مبرر»
بحسب المهندس وليد رمضان، نائب رئيس شعبة الاتصالات والمحمول بـالاتحاد العام للغرف التجارية، ثلاث شركات كبرى في سوق المحمول أخطرت التجار رسميًا بزيادة أسعار الأجهزة اعتبارًا من 26 يناير، على أن يبدأ التطبيق الفعلي من 1 فبراير، بنسب تتراوح بين 5% و20% حسب الماركة وطراز الجهاز.
الأخطر في كلام رمضان أنه يعترف صراحة بأن هذه الزيادات لا تستند لأي أساس اقتصادي حقيقي؛ فلا سعر الصرف تغيّر، ولا تكلفة الرقائق أو مكوّنات الإنتاج ارتفعت، ولا حتى نقص في المخزون لدى الشركات:
«مافيش أي مبرر… لا الدولار اتحرك، ولا الرقائق زادت، وكل المصانع عندها مخزون كفاية».
هذا التصريح من مسؤول في قلب السوق ينسف رواية الشركات عن «تكاليف عالمية» و«سلاسل إمداد» و«ظروف استثنائية»؛ ما يجري أقرب إلى استغلال لحظة الفوضى التنظيمية وغياب الدولة عن ضبط التسعير.
خبير الاتصالات أشرف عامر يربط بين ما يحدث الآن وبين بنية مشوهة تكونت خلال السنوات الأخيرة: رسوم جمركية وضريبية وصلت في أوقات سابقة إلى نحو 37.5% على الهواتف المستوردة، مع حقيقة أن الإنتاج المحلي لا يغطي أكثر من 15% من احتياجات السوق.
النتيجة من وجهة نظره: سوق هش يمكن لأي موجة زيادات «مزاجية» من الشركات أن تهزه بالكامل، طالما أن البدائل قليلة والمنافسة الحقيقية ضعيفة.
في المقابل، يؤكد خبير الاتصالات إسلام غانم أن الرسوم الجمركية والضريبية على الهواتف المحمولة المفترض أنها «استثناء» تحولت عمليًا إلى قاعدة، مع تشديد الإجراءات على الأجهزة الواردة مع المسافرين، ما يفتح الباب دومًا أمام جولات جديدة من رفع الأسعار بحجة «الرسوم» و«تنظيم السوق».
وهكذا تتكامل الصورة: شركات ترفع الأسعار بلا مبرر، وخبراء في سوق المحمول يعترفون بأن البنية التشريعية والجمركية نفسها تشجع على هذا الانفلات، في غياب أي يد حقيقية تضبط السوق أو تحاسب من يتلاعب بالمستهلك.
رسوم الهواتف الشخصية: ضريبة على الحق في الاتصال تشعل السوق وتخنق المنافسة
قرار إلغاء الإعفاء الجمركي عن الهواتف الشخصية للمسافرين لم يأتِ في فراغ؛ بل كان الشرارة الوحيدة الجديدة التي أضيفت إلى سوق متخم أصلًا بالأزمات.
قرار واحد فتح الباب لزيادة فورية في الأسعار قُدّرت بنحو 20% وفق تقديرات إعلامية، منها ما ذكرته الإعلامية ياسمين عز عبر برنامجها على MBC مصر، مؤكدة أن التحذيرات من تداعيات القرار كانت معروفة قبل تطبيقه.
من جانبه، يرى محمد هداية الحداد، رئيس شعبة تجار المحمول بالغرفة التجارية في الجيزة ونائب رئيس شعبة تجار المحمول باتحاد الغرف التجارية، أن هذه الخطوة «فتحت الباب لزيادات غير مبررة» وأعطت الشركات حجة جاهزة لرفع الأسعار في سوق يعاني ركودًا أصلًا.
ورغم أن الحداد رحّب في وقت لاحق بآلية تنظيمية تمنح إعفاءً مؤقتًا لمدة 90 يومًا للمصريين والسائحين، فإنه حذّر بوضوح من أن غياب الرقابة على الشركات المصنعة والموزعين سيحوّل أي قرار ضريبي جديد إلى أداة لاحتكار السوق وليس لتنظيمه.
في الخلفية، تقف فلسفة رسمية يعبّر عنها مسؤولو الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات؛ إذ يتحدثون عن أن الهدف من الرسوم الجمركية الجديدة هو «توطين صناعة المحمول في مصر»، مع الإشارة إلى أن 92% من الماركات الموجودة في أيدي المصريين باتت تُصنع محليًا، حسب تصريحات إعلامية حديثة.
لكن الواقع الميداني يقول شيئًا مختلفًا تمامًا:
الرسوم الجمركية على الهواتف المستوردة وصلت في فترات سابقة إلى نحو 38.5% من قيمة الجهاز، وفق تقديرات نشرتها صحف اقتصادية دولية، وهو ما يعني فعليًا تحويل الهاتف إلى سلعة «مُعاقَبة ضريبيًا».
هذه الرسوم لا تُحمَّل على الشركات، بل تُنقل مباشرة إلى المستهلك، في صورة أسعار أعلى وأقساط أطول وموديلات خارج متناول شرائح واسعة من المصريين.
الخبير الاقتصادي د. وائل النحاس يقرأ هذه التطورات ضمن نمط أوسع يصفه بـ«اقتصاد الجباية»، حيث تتحول الضرائب والرسوم إلى وسيلة أسهل لسد العجز بدل إصلاح حقيقي لبنية الاقتصاد.
في تحليلاته السابقة لزيادات الرسوم على سلع أخرى، يوضح أن مثل هذه القرارات تتحول في النهاية إلى عبء إضافي على الطبقة الوسطى والفقراء، بينما لا تمس فعليًا مراكز القوة والثروة.
وبالمنطق نفسه، يؤكد الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن الاعتماد المفرط على الضرائب المتكاثرة بدل الإصلاح الهيكلي يلتهم القدرة الشرائية ويعمّق الركود، محذرًا من أن الضرائب في مصر باتت الأعلى عالميًا تقريبًا من حيث العدد، وأن زيادتها تتم غالبًا «أفقيًا» على حساب الطبقة المتوسطة والفقيرة لا على حساب الثروة الكبيرة.
بكلمات أخرى: الرسوم على الهواتف الشخصية لم تكن مجرد قرار تقني لتنظيم السوق، بل حلقة جديدة في سلسلة ضرائب غير مدروسة، تُستخدم لسد ثقوب الموازنة على المدى القصير، بينما تنسف ما تبقى من قدرة المواطن على اللحاق بأبسط متطلبات الحياة الرقمية والتعليم والعمل.
سوق بلا رقابة ورقابة بلا أنياب: لماذا يدفع المواطن الثمن كاملًا؟
في اعتراف لافت، يقرّ وليد رمضان بأن السوق يفتقر إلى منظومة رقابية حقيقية تضبط أسعار الهواتف المحمولة.
ويدعو بنفسه المستهلكين لمقارنة أسعار نفس الماركات على منصات مثل Amazon في السعودية والإمارات مع أسعارها في مصر، ليكتشفوا بأنفسهم الفارق الكبير وأن السوق المصري أغلى بشكل واضح رغم انخفاض الدخول.
وجود جهاز مثل جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، وآخر مثل جهاز حماية المستهلك، لم يمنع انفلات الأسعار أو يقف في وجه الزيادات غير المبررة.
فالنتيجة على الأرض تقول إن تأثير هذه الأجهزة على سوق المحمول يكاد يكون «صفرًا» في نظر المستهلك، الذي لا يرى سوى أرقام تتضاعف وموديلات تبتعد أكثر فأكثر عن متناول يده.
رمضان كشف أيضًا أنه طالب بتشكيل لجنة عليا تحت رئاسة مصطفى مدبولي، تضم شعبة المحمول، وجهاز حماية المنافسة، وجهاز حماية المستهلك، وتمثيلًا برلمانيًا، لوضع آلية شفافة لمقارنة الأسعار مع الخارج ومنع الاحتكار.
لكن حتى الآن، لم تتحول هذه المطالب إلى قرارات تنفيذية، ما يعني عمليًا ترك السوق للشركات لتفعل ما تشاء.
من زاوية أخرى، يشير خبراء الاتصالات إلى أن الجزء «المظلم» من السوق – من تهريب، وتلاعب في الفواتير، وبيع دون ضريبة قيمة مضافة – يزدهر كلما زادت الرسوم والضرائب وضعفت الرقابة؛ فحين يشعر التاجر والمستهلك أن السعر الرسمي مبالغ فيه، يتجهان تلقائيًا إلى القنوات غير الرسمية.
وسبق أن قدّر بعض أعضاء شعبة المحمول أن نسبة الهواتف المهربة قد تصل إلى 90% من المعروض في فترات معينة، ما يعني أن الدولة تخسر الرسوم التي تزعم أنها تفرضها لحماية الخزينة، بينما يدفع المستهلك ثمن الفوضى مرتين: مرة في السعر، ومرة في غياب الضمان وخدمات ما بعد البيع.
في النهاية، ما يحدث في سوق المحمول ليس «تفصيلاً استهلاكيًا» يمكن تجاهله؛ الهاتف اليوم أداة تعليم، وباب للخدمات الحكومية، ووسيلة عمل لملايين المصريين.
حين يتحول إلى سلعة «مترف» تُثقلها الجمارك وتلهبها زيادات بلا مبرر، فإن الرسالة التي تصل للمواطن واضحة:
الدولة غائبة حين يتعلق الأمر بحمايتك، وحاضرة فقط حين تريد أن تجبي منك رسومًا جديدة.
وما لم تتحول مقترحات الخبراء – من وليد رمضان ومحمد هداية الحداد وإسلام غانم، إلى الاقتصاديين وائل النحاس وهاني توفيق – إلى سياسات حقيقية: شفافية في التسعير، رقابة فعلية على الشركات، مراجعة جذرية للرسوم والضرائب، وفتح السوق لمنافسة عادلة… ستظل كل زيادة جديدة «زلزالًا صغيرًا» يهز ما تبقى من قدرة المصري على البقاء متصلًا بالعالم، ولو عبر شاشة هاتفه.

