عادل صبري
كاتب وصحفي مصري
وافقت وزارة البترول المصرية الأسبوع الماضي، على رفع شركة "إيني" الإيطالية ومعها أربع شركات دولية أخرى تعمل في استكشاف واستخراج الغاز والنفط، أسعار توريد منتجاتها المستخرَجة من الآبار من المياه المصرية إلى 8 دولارات لكل مليون وحدة حرارية. جاءت الموافقة، حسب المنشور على لسان مسؤولين، بعد أسابيع من قبولها ضغوطًا إسرائيلية بتعديل شروط شراء الغاز المستخرَج من آبار البحر المتوسط التي يهيمن عليها الاحتلال الإسرائيلي، لتصبح 7.25 دولارات، وبذلك تضاعف سعر التوريد المحلي خلال عامَين بينما زاد للطرف الإسرائيلي بنحو 80% في نفس المدة الزمنية.
ووفقًا لمؤشرات التسعير المرجعية في أوروبا وعلى رأسها مؤشر تي تي إف TTF الهولندي، تتداول أسعار التوريد الفورية للغاز حاليًا في نطاق 10-14 دولارًا للمليون وحدة حرارية بريطانية، مع وجود مؤشرات بتراجع تلك المعدلات بنهاية عام 2026 في ظلّ زيادة الإنتاج العالمي من الغاز واتجاه أميركي لإنهاء حالة الحرب في أوكرانيا، التي ستدفع إلى تهدئة أسواق الطاقة وخاصة الغاز الذي تعد أوروبا أكبر سوق لاستهلاكه، سواء القادم من روسيا أو من حقول الشرق الأوسط والولايات المتحدة. وفي حالة دولة أصبحت في حاجة للغاز لفترة زمنية تتخطى 2035، فالأمر يتطلب حجز ما تحتاجه عبر عقود متوسطة وطويلة الأجل، تمكّنها من الحصول على أسعار أفضل مع استقرار الإمدادات، بما يقلل من لجوئها إلى السوق الفورية التي تتأثر بشدة بالتحوّلات الجيو-سياسية بل والتغييرات الجوية والتذبذبات المفاجئة التي تحدث في أسواق المال.
هنا يبرز السؤال: لماذا تدفع مصر وهي دولة منتجة للغاز للشريك الأجنبي قيمة مالية تقترب من أسعار السوق الفورية، وما هي الميزة التي تحصل عليها مقابل تحملها تكلفة الاستثمار في الاستكشافات والاستخراج وإقامة البنية التحتيّة مع التمويل المحلي والأجنبي لمشروعات تتحمّل بمفردها مخاطرها السيادية؟ الأرقام المعلنة من وزارة البترول وعلى شاشات البورصات، تبيّن أن الغاز المصري قريب من سعره العالمي، فلا ميزة سيادية على منتج وطني ولا حماية للموازنة العامة من القروض والتمويلات التي تدفعها أو تضمنها لقطاع الغاز سنويًا؛ فالدولة عمليًا تدفع سعر الغاز المحلي بمعدل أقرب للشراء من الخارج، وتتحمل تقلبات السوق، لأنّ هناك من ينتظر حل أزمة مستمرة، دون أن يدرك خطورة الانتظار على تذبذب الأسعار اليومية، بما يجعل الدولة تمول عمليات الشراء بمزيد من العجز المالي في الوقت الذي يحصل الشريك الأجنبي على عائد شبه مضمون لفترات زمنية طويلة.
تبدو معادلة الشراء في صالح الشركاء، فرغم أنهم يوفرون الاستثمارات المالية والخبرات الفنية والمعدات الحديثة، إلّا أنّ الجانب المصري عادة ما يتلقى، وفقًا لأقوال مسؤولين سابقين بوزارة البترول، فواتير التكاليف الإسميّة لكل مشروع، دون القدرة على الخوض في تفاصيلها أو الاعتراض عليها. فمثلًا عندما تقول "إيني" إنّ حقل "ظهر" الأكبر في مصر يكلف نحو 19 مليار دولار، في مراحل البحث والاستكشاف إلى أن ينتج ويصل إلى طاقته القصوى، فلا يُمكن للطرف المصري مراجعة حسابات التكلفة، وعليه أن يسلّم بها، ويلتزم ببنود عقد الإنتاج التي تمنحها 60% من عوائد البيع أو الإنتاج بالحقل وللفترة الزمنية المتفق عليها، وفي حالة سحب مصر إنتاجها المحلي عليها أن تدفع سعر الغاز وفقًا لمتوسط هذه التكاليف المذكورة، بينما عندما تشتري حصة الشريك الأجنبي عليها دفع ما يريده وفقًا لسعر البيع بالسوق الفورية، أو إبرام عقود قصيرة أو متوسطة الأجل للشراء بالدولار، قابلة للتعديل وكأنها تشتري الغاز من أي دولة أخرى.
رغم تمرير عقود استكشاف وإنتاج الغاز والنفط واستغلال الثروات المعدنية في مصر عمومًا من الحديد إلى الذهب، على مجلس النواب لإقرارها باعتبارها عقودًا مُلزمة للدولة والشعب والخزانة العامة في حالة تغيير الأنظمة والحكومات، فالمناقشات التي تعرض عادة على نواب الشعب، يجري تسويقها على أنها فرص استثمارية كبيرة، وتذكر الأرقام الإيجابية المتعلقة بزيادة الاستثمارات الأجنبية، بينما لا تنشر أي معلومات عن الالتزامات المصرية المقابلة لها. تظلّ هذه العقود سرية للغاية، وغير مدرجة بين أروقة البرلمان، وبعيدة تمامًا عن الصحف والرأي العام، بل وكبار المسؤولين بوزارة البترول والشركات العاملة في القطاع، بما يجعل أي تعديل أو تبديل للعقود أو الحديث عنها قاصرًا على نخبة، التي قد تُسرّب ما تريد أو تدلي بالمعلومات بعد خروجها من الخدمة، بعد فوات الأوان.
لذا؛ لا يعلم النواب ولا الشعب الذي يمثلونه، لماذا ترتفع أسعار توريد الغاز من الشركاء الأجانب أو المورّد الإسرائيلي، كل عدة أشهر؟ ولماذا ينهار الإنتاج في الآبار المصرية، حتى تحولت مصر من دولة مصدّرة للغاز حتّى عام 2022 إلى دولة شديدة الاحتياج للاستيراد لمدة زمنية طويلة؟ تشير الأرقام إلى تراجع حجم الإنتاج من 7 مليارات قدم مكعبة يوميًا بنهاية 2022 إلى 4 مليارات قدم بنهاية 2025، هذا الهبوط لم يعد مسارًا طارئًا لمشكلة في "ظهر" الذي استهدف إنتاج 230 مليون قدم مكعبة يوميًا فأصبح 130 مليون قدم بفجوة 43% يوميًا، أو غيره من الحقول الكبيرة، ولكن سيظل هابطًا باستمرار، بما دفع وزارة البترول إلى التسليم بسهولة لضغوط الشركاء الأجانب ومن قبل المورد الإسرائيلي، دون قدرة أيّ مسؤول على الإشارة إلى سبب المشكلة والجهة التي تتحمل فجوة الإنتاج المفاجئة، التي تسبّبت في انقطاع التيار الكهربائي لساعات لمدة عامَين ونصف العام، واستيراد كميات هائلة، من الغاز المُسال، بما رفع فاتورة واردات المحروقات. وقد بلغت الفاتورة عام 2025 نحو 21 مليار دولار مقارنة بتكلفة 12 مليار دولار عام 2024، بزيادة 9 مليارات خلال عام واحد، وبأكثر من 14 مليار دولار عن عام 2023.
زيادة الواردات دفعت وزارة البترول إلى التأجير والتعاقد على شراء وحدات بحرية تتولى إعادة تحويل الغاز المُسال إلى غاز طبيعي، وضخه بالشبكة الوطنية للغاز، بتكلفة 12 مليون دولار شهريًا، ونتج عن تأجير هذه الوحدات النادرة في السوق الدولية، في لحظات حرجة واجهت الدولة خلالها نقصًا حادًا في الغاز، اضطرت إلى زيادة وحدات إعادة التسييل "التغويز" لتبلغ 5 وحدات دفعة واحدة، لم تعمل جميعها بأكثر من 60% من طاقتها، بما حمّل الدولة غرامات تأخير دخول الشحنات للموانئ المجهزة لذلك في الإسكندرية على البحر المتوسط، والعين السخنة بخليج السويس، بمبالغ تراوحت بين 100 ألف إلى 150 ألف دولار شهريًا.
بعد استقرار إنتاج الكهرباء خلال الشتاء الجاري، لم يعد يسأل أحد عن مشاكل الغاز المحلية أو المتعلقة بالواردات؛ لأنّ الحكومة تصرّ على مواجهة الأزمة بطريقتها السرية، دون أن تخبر الشعب بتكلفة هذه الحلول، إمّا برفع أسعار المحروقات والكهرباء بقرار سيادي، أو الاقتراض من الخارج لدفع تكاليف سيتحمّلها المواطنون في نهاية المطاف. الأمر الملفت أنه رغم المبالغ الهائلة التي تدفع لشركاء أجانب لاستجداء خبراتهم وأموالهم، لحفر المزيد من الآبار واستغلال الثروة المعدنية، لم تسع وزارة البترول إلى تمويل شركات وطنية ذات خبرات عريقة للتوسّع في إنتاج الغاز والنفط، بل يجري تحميل كثير من الشركات التابعة للدولة مشاكل ضعف السيولة المالية والبيروقراطية المنتشرة بين وزارات تعمل في جزر منعزلة، تزيد من تكلفة الإنتاج والتشغيل، وتحمل أعباء قروض محلية تحصل عليها بفوائد بنكية ربوية كبيرة، ليظل الباب متسعًا أمام الاستثمار الأجنبي الذي يتمتع بمميّزات جمركية على معداته وتسهيلات مالية وإدارية، غير متوافرة للشركات الحكومية ذاتها.
تسبّبت الضغوط المالية، في التضييق على الشركات المحلية ماليًا وفنيًا، وهروب كثير من الخبرات المحلية للعمل مع الشركاء الأجانب، الذين يستفيدون من خبراتهم المتراكمة والأسرار التي يحملونها في ذاكرتهم، ولا يقدرون الحصول عليها من الجهات الرسمية، دون تحمّل أيّ تكاليف أنفقتها الدولة عبر مراحل الاستكشاف لسنوات. يتجه آخرون إلى العمل في الخارج أملًا برواتب أعلى ومميزات لا توفرها شركات البترول المحلية الخاضعة لقواعد صرف حكومية، غير الجاذبة للخبرات النادرة واللازمة لقطاع ذي طبيعة خاصة مثل الحفر والعمل بالمياه العميقة والمناطق النائية. تنعكس القيود والإدارة السرية لثروات الدولة نفسها على أزمة أسعار الغاز؛ لأنها أصبحت تجري بلا مساءلة حقيقية، ورغم أنها تعد من أخطر ملفات الأمن القومي، فإنّ الحل الذي ينتظرها يتطلب مواجهة سياسية بامتياز، يشارك في وضعها الخبراء وبرلمان حقيقي وسلطات تمثل الشعب صاحب الثروة والغارم الأول والأخير.

