تحوّلت حياة الشاب محمد عبد الرؤوف محمد، المعروف بين أسرته وأصدقائه باسم “نور”، من استعدادات لزفاف قريب إلى سنوات طويلة من الاحتجاز المتواصل، في مسار تقول أسرته إنه يعكس معاناة إنسانية وقانونية مركبة، بدأت بالقبض عليه في ربيع 2021 ولم تنتهِ حتى اليوم، رغم صدور أكثر من قرار بإخلاء سبيله.

 

محمد، وحيد والدته، كان يعمل مشرفًا بقسم التبريد والتكييف في إحدى شركات مدينة العبور. شاب في منتصف العشرينات، يحمل أحلامًا بسيطة بحياة مستقرة، ويستعد لبدء بيت جديد.

 

لكن تلك الخطط توقفت فجأة في 10 مارس 2021، حين أُلقي القبض عليه، لتبدأ رحلة احتجاز طويلة غيّرت مسار حياته بالكامل، وأنهت خطوبته بعد عامين ونصف من الاعتقال، بينما كان يتم عامه السابع والعشرين خلف الأسوار.

 

شهران من الإخفاء القسري

 

بحسب رواية أسرته، تعرّض محمد بعد القبض عليه للإخفاء القسري لمدة شهرين كاملين، دون تمكين ذويه من معرفة مكان احتجازه أو التواصل معه. لم يظهر رسميًا إلا في 7 مايو 2021، حين عُرض على ذمة قضية، وأُودع بعدها بقوات أمن الزقازيق.

 

تقول الأسرة إن تلك الفترة كانت الأصعب، حيث عاشت الأم في حالة قلق دائم، تبحث عن أي معلومة تطمئنها على مصير ابنها الوحيد، وسط غياب تام للبيانات الرسمية حول مكان وجوده.

 

قرار إخلاء سبيل لم يُنفّذ

 

بعد مرور عامين وشهرين من الحبس الاحتياطي، صدر قرار بإخلاء سبيل محمد في القضية الأولى بتاريخ 26 يوليو 2023.

 

غير أن القرار، وفق الأسرة، لم يُنفّذ على أرض الواقع. وبدلًا من خروجه، جرى احتجازه فيما يُعرف قانونيًا وحقوقيًا بـ”التخزين” لمدة 15 يومًا، قبل أن يُعاد تدويره على قضية جديدة في 12 أغسطس 2023، ويتم نقله إلى مركز الزقازيق.

 

تصف الأسرة تلك المرحلة بأنها “صدمة جديدة”، إذ تحوّل قرار الإفراج المنتظر إلى بداية فصل آخر من الاحتجاز، ما عمّق الإحباط لدى الشاب وأسرته على السواء.

 

عام إضافي وترحيل إلى برج العرب

 

استمر احتجاز محمد عامًا كاملًا على ذمة القضية الثانية، قبل ترحيله إلى سجن برج العرب في 12 أغسطس 2024. وتؤكد أسرته أن ظروف الاحتجاز وطول مدته تركت آثارًا نفسية قاسية عليه، في ظل تكرار الأمل بالإفراج ثم تبخّره.

 

وفي 2 يوليو 2025، وبعد سنة و11 شهرًا من الحبس في القضية الثانية، صدر قرار جديد بإخلاء سبيله. إلا أن السيناريو تكرر مرة أخرى، حيث لم يُنفذ القرار، وتم احتجازه لمدة 40 يومًا إضافية، قبل تدويره مجددًا على محضر جديد، بحسب ما تذكر الأسرة.

 

دوامة “التدوير” ومعاناة ممتدة

 

يرى حقوقيون أن ما يتعرض له محمد يمثل نموذجًا لما يُعرف بنمط “التدوير”، حيث يُعاد إدراج المحتجز في قضايا جديدة عقب صدور قرارات إخلاء سبيل، ما يؤدي عمليًا إلى استمرار احتجازه لفترات مفتوحة. وتعتبر منظمات حقوقية هذا النمط انتهاكًا لمبدأ عدم جواز الحبس دون سند قانوني واضح، وتحويل قرارات الإفراج إلى إجراءات شكلية لا تغيّر من واقع الاحتجاز شيئًا.

 

في المقابل، تبقى المعاناة الأشد وطأة على أسرته، خاصة والدته التي تعيش سنوات من الانتظار والقلق. فبين جلسات المحاكم وقرارات الإفراج غير المنفذة، تحوّلت حياة الأسرة إلى دائرة مغلقة من الترقب، بينما تتراكم سنوات الشباب خلف الجدران.