في مساء الخميس ٢٩ يناير ٢٠٢٦، بدا أن أزمة «الجمعية العمومية الطارئة» لنادي قضاة مصر في طريقها للتهدئة الشكلية، بعد إعلان مجلس القضاء الأعلى تعليق الدعوة لاجتماع ٦ فبراير، الذي كان القضاة يعوّلون عليه لكبح تغوّل الأكاديمية العسكرية على ملف تعيينات أعضاء النيابة. لكن بيان نادي القضاة نفسه قطع الطريق على أي محاولة لاعتبار ما جرى «تراجعًا» أو «تصالحًا»، ووصف القرار بأنه «تأجيل محسوب ومشروط»، مؤكّدًا أن استقلال القضاء «خط أحمر» لا يُمس، وأن كل ما جرى هو محاولة لتصحيح مسار كان يوشك أن يخرج من عباءة الدستور إلى قبضة العسكر.

منذ الاجتماع الطارئ الذي عقده النادي يوم الأربعاء ٢١ يناير ٢٠٢٦، وحتى الاجتماع المشترك مع مجلس القضاء الأعلى مساء الأربعاء ٢٨ يناير في دار القضاء العالي، كانت الرسالة واضحة: هناك قرار سياسي ـ أمني بمحاولة نقل بوابة الدخول إلى النيابة والهيئات القضائية من يد القضاة إلى «الأكاديمية العسكرية»، وتحويل ما يفترض أنه مسار مدني خالص إلى مسار يخضع عمليًا لرقابة المؤسسة العسكرية ورجال مكتب الرئيس.

من ٢١ يناير إلى ٢٨ يناير: غضبة قضائية في وجه مكتب الرئيس

شرارة الأزمة انطلقت يوم الأربعاء ٢١ يناير ٢٠٢٦، حين دعا مجلس إدارة نادي القضاة، برئاسة المستشار أبو الحسين فتحي قايد، لعقد جمعية عمومية غير عادية في ٦ فبراير، بعد اجتماع طارئ شهد حضورًا لافتًا من قضاة القاهرة والأقاليم، وجرى فيه الحديث صراحة عن «أمر جسيم» يمس جوهر استقلال القضاء ومكتب التعيينات.

ما تسرب وقتها من كواليس الاجتماع كان أكثر وضوحًا من البيان الرسمي؛ فالمصادر القضائية تحدثت عن توجه داخل الدولة لإلغاء مكتب التعيينات التابع للنائب العام، ونقل ملف التعيينات والترقيات بالكامل إلى الأكاديمية العسكرية، بما يعني عمليًا أن التقديم، والمقابلات، والاختيار، والتزكيات، ستخرج من بيت العدالة إلى مؤسسة ذات طابع عسكري وأمني، لا تخضع لرقابة مجلس القضاء الأعلى، ولا تحاسب أمام الرأي العام على معاييرها أو استبعادها.

خلال الأسبوع التالي، تصاعدت حالة الغليان داخل صفوف القضاة، وأعلنت أندية قضاة الأقاليم تباعًا دعمها الكامل لجمعية ٦ فبراير، من الإسكندرية حتى الصعيد. كان ذلك تطورًا نادرًا في ساحة ظلت لسنوات توصف بأنها «أقرب مؤسسات الدولة إلى السلطة التنفيذية»، فإذا بها فجأة في مواجهة مباشرة مع قلب القرار في قصر الاتحادية، ممثلًا في مدير مكتب الرئيس عمر مروان، والأكاديمية العسكرية للتدريب.

مساء الأربعاء ٢٨ يناير ٢٠٢٦، جاء الاجتماع الحاسم في دار القضاء العالي، الذي ضم مجلس القضاء الأعلى ورئيس وأعضاء مجلس إدارة نادي القضاة ورؤساء أندية الأقاليم. خرج مجلس القضاء الأعلى ببيان يؤكد «اختصاصه الدستوري والقانوني الحصري» في شؤون التعيين والترقيات، لكن مع جملة كاشفة تقول إن ذلك يتم «بما يتوافق مع توجهات رئيس الجمهورية» بصفته رئيسًا للمجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية؛ أي أن يد السلطة التنفيذية، ممثلة في السيسي، حاضرة في الخلفية، وأن «الاستقلال» المعلن مشروط بحدود ما يسمح به رأس النظام.

الأكاديمية العسكرية… من جهة تدريب إلى بوابة فرز وإقصاء

بيان نادي القضاة التالي، الصادر مساء الخميس ٢٩ يناير، حاول أن يضع النقاط على الحروف. لم يكتفِ بترديد عبارات عامة عن «استقلال القضاء»، بل كشف عن جوهر المشكلة: توسيع دور الأكاديمية العسكرية من مجرد جهة تدريب إلى جهة تملك سلطة القبول والرفض في تعيينات النيابة العامة، بدءًا من السيطرة على الكشف الطبي، وصولًا إلى تحويل الدورات من مسار تأهيلي إلى أداة «فرز أمني» خارج رقابة مجلس القضاء الأعلى.

المصادر القضائية تحدثت صراحة عن أن نقل الكشف الطبي إلى الأكاديمية منحها قدرة عملية على استبعاد من لا يروقون للأجهزة السيادية، تحت أي ذريعة صحية أو «تقرير نفسي» لا يطّلع عليه أحد. بهذا الشكل، لم تعد الأكاديمية مجرد قاعة محاضرات، بل بوابة سياسية – أمنية تتحكم في من يدخل إلى منصة القضاء، ومن يُستبعد مبكرًا قبل أن يرتدي الزي الرسمي للقضاء.

هذا النمط ليس معزولًا؛ فالعسكرة الزاحفة امتدت خلال السنوات الماضية إلى الإعلام والجامعات والقطاع المدني، والآن تحاول أن تُطبق قبضتها على السلطة القضائية ذاتها، عبر بوابة التعيينات والتدريب والترقيات. تحويل القاضي المستقبلي إلى «متدرب» في مؤسسة عسكرية قبل أن تطأ قدمه دار القضاء العالي ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل رسالة سياسية: لا قاضٍ بلا ختمٍ من المؤسسة العسكرية.

ولذلك جاء أحد بنود الاتفاق المعلن بين نادي القضاة ومجلس القضاء الأعلى ليطالب بإنشاء «الأكاديمية الوطنية للقضاء» كمظلة مدنية قضائية خالصة، في مواجهة محاولة فرض الأكاديمية العسكرية كوصيّ على القضاة ومستقبلهم. مجرد طرح هذا البديل يكشف إدراك القضاة أن المعركة ليست على بند واحد في لائحة داخلية، بل على هوية السلطة القضائية وأي يد تمسك بمفاتيحها.
تعليق محسوب أم بداية تمرد قضائي على عسكرة الدولة؟

ما يلفت في بيان نادي القضاة الصادر يوم الخميس ٢٩ يناير ٢٠٢٦ أنه لم يتحدث عن «إلغاء» الجمعية العمومية، بل عن «تعليقها» استجابة لطلب «شيوخ القضاء» في مجلس القضاء الأعلى، وبعد تلقي «تأكيدات رسمية» باحترام اختصاصات القضاء، مع رسالة واضحة مفادها أن الصمت ليس قبولًا، وأن القضاة «قادرون على حسم اللحظة غدًا إذا فُرض عليهم ذلك».

هنا تحديدًا يظهر البُعد الأخطر في الأزمة: النظام السياسي حاول احتواء انفجار غير مسبوق داخل جسم قضائي ظل لعشر سنوات جزءًا من منظومة القمع، فإذا به هذه المرة يغضب دفاعًا عن «اختصاصه» الذي ينازعُه عليه العسكر. لذلك يمكن قراءة التعليق على أنه هدنة مؤقتة أكثر منه انتصارًا كاملاً لأي طرف.

من جهة، حصل القضاة على تعهّدات مكتوبة باستئناف مقابلات دفعة ٢٠٢٤، وتسريع إنهاء ملفات دفعة ٢٠٢٣، والنظر في تظلمات دفعة ٢٠٢٢، وإزالة معوقات الالتحاق بالدورات الحالية، مع وعد بإبقاء ملفات التعيين والترقية في يد مجلس القضاء الأعلى، والسعي لإنشاء الأكاديمية الوطنية للقضاء. ومن جهة أخرى، لم يُعلن حتى الآن تراجع رسمي وواضح عن مشروع عسكرة التعيينات أو حسم دور الأكاديمية العسكرية بصورة قاطعة، ما يترك الباب مفتوحًا أمام «إعادة تدوير» الصيغة في شكل آخر أكثر نعومة وأقل صدامًا.

في النهاية، ما جرى بين ٢١ و٢٩ يناير ٢٠٢٦ ليس مجرد خلاف إداري حول مكان إجراء الكشف الطبي أو الجهة التي تنظم دورة تدريبية، بل اختبار حقيقي لحدود عسكرة الدولة في عهد السيسي، ولقدرة القضاء – حتى وهو جزء من بنية السلطة – على رسم خط أحمر في وجه تحويله إلى ملحق من ملاحق المؤسسة العسكرية. تعليق الجمعية العمومية قد يكون منح النظام مهلة لامتصاص الغضب وإعادة ترتيب أوراقه، لكنه في الوقت نفسه كشف هشاشة رواية «استقلال القضاء» التي يروّج لها الإعلام الرسمي، وأظهر أن جسد السلطة نفسه بدأ يرفض مزيدًا من التوحش العسكري.

إذا حاولت السلطة لاحقًا الالتفاف على هذه الهدنة، أو إعادة تمرير نفوذ الأكاديمية العسكرية بأسماء وأدوات جديدة، فإن السادس من فبراير لن يكون مجرد تاريخ مؤجل، بل موعدًا محتملًا لانفجار جديد داخل بيت العدالة نفسه، وقد لا يكون «التأجيل المحسوب» كافيًا هذه المرة لاحتواء غضبة قضاة يشعرون أن العدالة نفسها تُساق إلى ثكنة.